الفصل الخامس

دولة أهل بيت النبوة ومدة حكم الإمام المهدي المنتظر

أئمة أهل بيت النبوة الأعلام على يقين تام من ربهم ونبيهم، بأن المهدي المنتظر الذي بشر به رسول الله هو الإمام الثاني عشر من أئمة أهل بيت النبوة الذين اختارهم الله وأعلنهم رسوله، وهو خاتم الأئمة الشرعيين فلا إمام من بعده، لأن الأئمة اثني عشر فقط.

وهم على يقين من ربهم ونبيهم بحتمية ظهور المهدي المنتظر، وحتمية انتصاره، وحتمية نجاحه بتكوين دولة أهل بيت النبوة العالمية التي ستحكم العالم كله، ويتجنس بجنسيتها كافة أبناء الجنس البشري المتواجدين فوق الكرة الأرضية في عصرها الذهبي، وأن هذه الدولة ستكون آخر الدول، حيث سيحكم الإمام المهدي ما شاء الله له أن يحكم، ثم يتوفاه الله تعالى وتنتقل رئاسة هذه الدولة من بعده إلى أحد عشر مهديا بالتتابع، وكلهم من شيعة أهل البيت المخلصين السائرين على خط أهل البيت القويم، وهم يدعون الناس خلال فترة حكمهم إلى موالاة أهل بيت النبوة ومعرفة حقهم. (راجع الحديث رقم 1149 ج 4 من المعجم والمراجع المدونة تحته). وشيعة أهل بيت النبوة المخلصين صار لهم نفس اليقين التام بكل ما ذكرناه آنفا.

مدة حكم المهدي المنتظر:

إذا كان المهدي المنتظر سيكون دولة عالمية تحكم العالم كله، فما هي الفترة الزمنية التي يستمر فيها حكم الإمام المهدي! أو بتعبير آخر كم سنة سيحكم الإمام المهدي المنتظر بعد ظهوره وتكوينه للدولة العالمية، ورئاسته لها؟.

روى عبد الله بن الحارث حديثا عن الإمام علي يجيب على هذا السؤال إذ قال له الإمام علي: (يا ابن الحارث ذلك شيء ذكره موكول إليه، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عهد إلي أن لا أخبر به إلا الحسن والحسين. (راجع الحديث رقم 673 ج 3).

وروي عن الإمام الباقر قوله: يملك القائم ثلاثمائة سنة ويزداد تسعا كما بعث أهل الكهف في كهفهم.... (راجع الحديث رقم 859).

وروى أهل السنة عن الإمام علي قوله: (يلي المهدي أمر الناس ثلاثين أو أربعين سنة). (راجع الحديث 674 وراجع المراجع المذكورة تحته).

وروي عن الإمام جعفر أنه قال: (يملك القائم عليه السلام تسع عشرة سنة وأشهرا).

وروى ابن حماد حديثا لم يسنده إلى النبي جاء فيه: (فيلبث عيسى والمؤمنون سنوات في بيت المقدس)...

أحاديث رواها شيعة أهل بيت النبوة وشيعة الخلفاء معا:

وروى العلماء الأعلام من شيعة الخلفاء حديثا عن النبي جاء فيه... فيبعث الله رجلا من عترتي من أهل بيتي فيملأ الأرض قسطا... يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض... لا تدع السماء من قطرها... ولا تدع الأرض من مائها...

حتى تتمنى الأحياء الأموات يعيش في ذلك سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع سنين... وروى هذا الحديث أيضا وأخرجه علماء كبار من شيعة أهل البيت.

(راجع الحديث رقم 44 ج 1 من المعجم والمراجع الكثيرة المدونة تحته).

وروى علماء شيعة الخلفاء حديثا عن الرسول تحدث فيه عن الرخاء والوفرة في عهد الإمام المهدي وعن كثرة المال، وزهد الناس فيه إلى أن قال: (فيكون كذلك سبع سنين أو ثماني سنين أو تسع سنين، ثم لا خير في العيش بعده) أو قال: (ثم لا خير في الحياة بعده). (راجع الحديث رقم 53 وعشرات المراجع المدونة تحته).

وقد تفرد علماء أهل السنة بهذا الحديث. وروى أكابر علماء شيعة أهل البيت عن رسول الله حديثا يتفق معه بالمضمون جاء فيه: (فيمكث سبع أو ثمانية أو تسعا) (أي سنة) ولا خير في العيش بعد هذا أو قال: (لا خير في الحياة بعدهن). (راجع الحديث رقم بلا على الصفحة 95 من المجلد الأول من المعجم).

تحليل هذه الأحاديث:

1 ـ لا ينبغي أن يتبادر إلى الذهن وجود أي تناقض، ولا حدث أي تناقض في أقوال الأئمة، لأنهم قد نهلوا من مشكاة واحدة، وإذا حدثوا فهم لا يقولون برأيهم، وإنما حديثهم حديث رسول الله لأنهم ورثة علمي النبوة والكتاب، وإذا وجد تناقض فهو ناتج من الروايات الخاطئة أو المختلة عنهم، وليس واردا أيضا بأن الأئمة الكرام لا يعرفون بالضبط والدقة الفترة الزمنية لحكم الإمام المهدي، فلدى الأئمة القدرة والتأهيل الإلهي للإجابة على كل سؤال، ومن الطبيعي أن مدة حكم الإمام المهدي سؤال، ومن الجائز أن يسأله أي واحد من الناس لأي واحد من الأئمة ومن المحتوم أن الإمام يعرف الجواب اليقيني.

وقد لاحظت أن الإمام علي قد ذكر بأن رسول الله قد عهد إليه بأن لا يخبر أحدا عن مقدار هذه المدة إلا الحسن والحسين، لأنهما إمامان بالتوالي، وقد لاحظنا أن الإمام الباقر قد حدد هذه ب 309 سنوات، وأن الإمام الصادق قد حددها بسبعين سنة (من سنيكم).

وروي عن الإمام جعفر أن المهدي يملك تسع عشرة سنة وأشهرا.

2 ـ تاريخيا كانت دولة الخلافة وأركانها، وحتى الرعايا ينظرون بتوجس.

وحذر وريبة لأئمة أهل بيت النبوة، ولمن والاهم وخصهم بالولاء والمحبة، ويلوح لي أن الأجهزة السرية لدولة الخلافة طوال التاريخ كانت تتربص بالأئمة الكرام وتحاول أن تحصي عليهم أنفاسهم، فتعرف ما يقولون وما يتحدثون به، ثم تستدعيهم رئاسة دولة الخلافة من حين إلى حين لتحاسبهم حسابا عسيرا على كل ما يصدر عنهم من أحاديث، وكلمة المهدي شبح مرعب للخلفاء، ودولة أهل بيت النوبة هاجس مجرد ذكره يسبب للخلفاء وأركان دولتهم الجنون التام.

ثم إن الكثير من زوار الأئمة كانوا بمثابة الجواسيس أو العيون على الأئمة ليسألوهم ويحصلوا منهم على أجوبة ثم يكتبون تقاريرا بذلك إلى أسيادهم وأولياء نعمتهم، وفي كثير من الأحيان كانت تلك العيون اللعينة تزور وتحرف وتهول عن عمد ما تسمعه من الإمام. وعندما أذنت دولة الخلافة بكتابة ورواية أحاديث الرسول بعد مائة عام من المنع، كانت مرويات طواقم معاوية قد استقرت تماما، وعرفت من الجميع، وكانت الرعية تتحاشى أهل بيت النبوة لأن الاختلاط بهم يشكل خطرا، فضلا عن ذلك فإن المناهج التربوية والتعليمية المعتمدة في دولة الخلافة التاريخية أظهرت أهل بيت النبوة بمظهر الناس، ولم تعطهم أية مميزة، فعلي بن أبي طالب صحابي، مثله مثل معاوية في أحسن الظروف، والحسن والحسين مثلهما مثل يزيد بن معاوية!!! فما هو الداعي للرواية عن الحسن أو الحسين وأبو هريرة موجود!!! بل على العكس كانت وسائل إعلام دولة الخلافة تظهر أبا هريرة بصورة العالم المرجع، والصحابي الجليل الموالي لأمير المؤمنين، وتظهر الإمام الحسن أو الحسين بصورة الشاب الذي لا علم له الذي يتربص الدوائر بأمير المؤمنين، ويترقب الفرص للخروج عليه!!! هذا هو المناخ الذي كان سائدا.

والخلاصة في مدة حكم الإمام المهدي:

أن دولة أهل بيت النبوة لن تزول بموت المهدي المنتظر بل ستستمر، ويحكم من بعده أحد عشر مهديا، إنه من الجائز أن مدة ال‍ 309 سنوات.

الواردة في الحديث هي المدة التي ستستمر فيها دولة أهل بيت النبوة!! ومن المؤكد أن الإمام المهدي سيكافح كفاحا رهيبا حتى يدين العالم كله بالطاعة لدولته، وهنا يبرز تساؤل مهم وهو منذ متى يبدأ حكم المهدي؟ لأن المهدي في البداية سيحكم بقعة محدودة من الكرة الأرضية، ثم يتوسع حتى يسيطر على العالم، فهل نعتبر مدة حكم المهدي مبتدئة من تاريخ حكمه لأول أقليم، أو من التاريخ الذي تتم فيه للمهدي السيطرة على العالم كله؟ هذه بعض الإشكالات التي لا بد من حلها قبل الجزم بمدة حكم الإمام المهدي.

وأكبر الظن أن مدة حكم الإمام المهدي، سبعا أو تسعا أو تسع عشرة سنة وأشهرا أو ثلاثين سنة، ولكن من المؤكد إنها ليست أقل من سبع سنين ولا أكثر من 70 سنة..

الفصل السادس

العلامات التي تسبق مباشرة ظهور الإمام المهدي

الداء والدواء:

قياما بواجب البيان، وإضفاء لطابع الأهمية على المهدي المنتظر، وعصره الذهبي، شخص رسول الله حالة الأمة والعالم قبيل ظهور الإمام المهدي، بسلسلة متكاملة من الأحاديث النبوية التي صحت وتواترت عند أئمة أهل بيت النبوة وشيعتهم، وعند الخلفاء وشيعتهم، والتي شاعت بين المسلمين كافة، فاعتقدوا بها لأنهم قد جزموا بأنها قد صدرت من رسول الله بالفعل، حيث إنها قد أخرجت بنفس الوسائل والأساليب التي أخرجت بها أحكام دينهم من صلاة وصوم وزكاة....

ومن يمعن النظر بتلك الأحاديث الشريفة، ويتجرد، لا يخالطه أدنى شك بأنها قد صدرت بالفعل عمن لا ينطق عن الهوى، ثم يتيقن بأن الرسول الأعظم قد نجح نجاحا منقطع النظير بتشخيص حالة الأمة، وحالة العالم قبل ظهور الإمام المهدي! فكأن العالم بماضيه وحاضره ومستقبله رجل مريض ممدد على فراش المرض، وقد وضعت تحت تصرف الرسل أحدث المعدات التي توصل إليها العقل البشري في كل مجال، والرسول متخصص في كل ناحية، بعد ذلك شخص حالة العالم الممدد أمامه تشخيصا علميا دقيقا، فوصف الداء وصفا تاما، وأكد بأن العالم كله مشرف على الهلاك والتلاشي من الحياة، وأن الدواء الوحيد الذي يشفي العالم وينقذه هو الإمام المهدي المنتظر الذي سيضع حجر الأساس ويبني دولة آل محمد، فالمهدي المنتظر هو الدواء الفرد والوحيد، فليس على وجه الأرض إنسان واحد له القدرة على إنقاذ العالم، مما يعانيه آنذاك إلا المهدي المنتظر. والمدهش حقا أن هذه الصورة العلمية المتكاملة الدقيقة قد رسمها رسول الله بالكلمة، وبالكلمة الطيبة وحدها، وأن هذه الصورة قد شقت طريقها إلينا وثبتت بوجه الأعاصير، وحافظت على نقائها وأصالتها على الرغم من أن دولة الخلافة قد منعت رواية وكتابة الأحاديث النبوية طوال فترة المائة عام التي تلت انتقال النبي إلى جوار ربه!! لكنها العناية الإلهية، والتوفيق الإلهي، والإصرار الإلهي على إقامة الحجة، وترشيد حركة الكون وفق نواميس الابتلاء الإلهي فتبارك الله رب العالمين حقا وصدقا.

1 ـ انكساف الشمس والقمر قبل خروج المهدي

1 ـ أكد الرسول الأعظم أن الشمس ستنكسف في شهر رمضان مرتين قبل خروج المهدي. (راجع الحديث رقم 174 ابن حماد ص 61، وملاحم ابن طاووس ص 46 ب 72، وعقد الدرر ص 111 ب 4 ف 3، والحاوي للسيوطي ج 2 ص 82).

2 ـ وبين بأن المهدي لا يخرج حتى تطلع مع الشمس آية. (الحديث رقم 173، وعبد الرزاق ج 7 ص 373 ح 20775، وابن حماد ص 91، والبيهقي كما في عقد الدرر ص 106 ب 4 ف 3، والحاوي للسيوطي ج 2 ص 75)....

3 ـ وبين الرسول أنه بين يدي المهدي انكساف لخمس تبقى من رمضان والشمس لخمس عشرة منه. (راجع الحديث رقم 780 والمراجع المدونة تحته).

4 ـ وروي عن رسول الله قوله: آيتان قبل قيام القائم عليه السلام لم تكونا منذ هبط آدم إلى الأرض، تنكسف الشمس في النصف من شهر رمضان والقمر في آخره!! (راجع الحديث رقم 71 برواية الإمام محمد الباقر).

5 ـ وروى الإمام الباقر أيضا فقال: (إن لمهدينا آيتين لم تكونا منذ خلق السموات والأرض ينكسف القمر لأول ليلة من رمضان، وتنكسف الشمس في النصف منه)... (الحديث رقم 782، وراجع الحديث رقم 1020 و 1021 ج 4 من المعجم و 172 ج 1). فإذا ظهرت هذه الآيات التي لا يمكن لأي إنسان أن ينكرها فإن المهدي المنتظر سيظهر حتما في أثرها.

2 ـ مناد من السماء ينادي

روى أئمة أهل بيت الأعلام عن رسول الله (أحاديث المنادي من السماء)، وجزموا بأن هذه الأحاديث قد صدرت عن رسول الله بالفعل، وتناقلوها عنه كابرا عن كابر، حتى صارت من المسلمات وأجمعوا على صحتها وتواترت بينهم، وتبعا لروايات أهل بيت النبوة وإجماعهم أجمعت شيعتهم. وسلمت بما سلموا به.

كذلك فقد روى: (أحاديث المنادي من السماء) العلماء الأعلام من شيعة الخلفاء، وتوصلوا إلى ذات النتيجة التي توصل لها أئمة أهل بيت النبوة، فجزموا وتيقنوا أن أحاديث النداء قد صدرت بالفعل عن رسول الله، لأن هذه الأحاديث صحت عندهم وتواترت.

وأجمعت الأمة بشقيها: (أئمة أهل بيت النبوة وشيعتهم، والخلفاء التاريخيون وشيعتهم أيضا (أهل السنة) على أنه عند ظهور المهدي المنتظر سينادي مناد من السماء.... وتحول هذا الإجماع إلى قناعة ومعتقد، اعتقد به كافة المسلمين.

أحاديث النداء:

1 ـ روى أكابر علماء شيعة أهل البيت، والعلماء الأعلام من شيعة الخلفاء (أهل السنة) على أن رسول الله قد قال: (يخرج المهدي على رأسه غمامة فيها مناد ينادي: هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه). (راجع الحديث رقم 112 ج 1 من المعجم رواه الطبراني على ما في الفصول المهمة ص 298 ف 12، والحاوي للسيوطي ج 2 ص 61 على ما في بيان الشافعي ص 511 ب 15، وتاريخ الخميس ج 2 ص 288، وفرائض السمطين ج 2 ص 316 ب 61 ح 566 ـ 569)..

2 ـ ورووا أيضا أن الرسول قد قال: (يخرج المهدي وعلى رأسه ملك ينادي أن هذا المهدي فاتبعوه). (راجع الحديث رقم 119 و 23 مرجعا مدونة تحته).

3 ـ ورووا أيضا قول النبي: (يظهر في آخر الزمان... ينادي مناد بصوت فصيح هذا المهدي). (راجع الحديث رقم 120 ج 1 والمراجع المدونة تحته).

4 ـ وروي عن الإمام الباقر: (ينادي مناد من السماء ألا إن الحق في آل محمد)... (راجع الحديث رقم 812 ج 1 من المعجم). وروي أيضا قوله:

(يا سيف بن عمرة لا بد من مناد ينادي باسم رجل من ولد أبي طالب)، (الحديث 813)، وروي أيضا: (أن المنادي ينادي أن المهدي من آل محمد فلان بن فلان باسمه واسم أبيه)... (راجع الحديث رقم 815)، وروي أيضا: (توقعوا الصوت يأتيكم من قبل دمشق)...

5 ـ وروي أيضا: (إنه لا يكون حتى ينادي مناد من السماء يسمع أهل المشرق والمغرب، حتى تسمعه الفتاة في خدرها). (راجع الحديث رقم 817).

فالنداء من السماء علامة بارزة من علامات ظهور المهدي المنتظر وهي تكسف كانكساف الشمس والقمر آيات وعلامات ومعجزات بارزة على مستوى البشر كله، ومن غير الممكن أن يقوى عاقل يحترم نفسه على إنكارها أو تجاهلها أو المجادلة فيها. وهي فيض من مظاهر الدعم الإلهي المطلق للمهدي المنتظر حتى يتمكن من تحقيق الغايات الكبرى التي كلفه الله تعالى بتحقيقها وهذه الآيات توطد له في الأرض، وتحفر اسمه في الذاكرة البشرية بحيث يرتبط المهدي مع مفهوم الإنقاذ ومفهوم التحرر من الظلم، ومع مفاهيم الرخاء والكفاية والعدل.

البلاء الشامل وامتلاء الأرض بالظلم والجور:

بين الرسول الأعظم بأن المهدي سيظهر حتما مقضيا عندما يعم البلاء الشامل الأمة والعالم معها، وعندما تمتلئ الأرض بالظلم والجور والعدوان، عندئذ يبعث الله الإمام المهدي لرفع هذا البلاء الشامل، وليملأ الأرض عدلا وقسطا، كما ملئت جورا وظلما، فعموم البلاء وامتلاء الأرض بالظلم مقدمة.

وسبب وعلامة، وظهور المهدي بوجه من وجوهه نتيجة لهذه المقدمة، وأثر لهذا السبب، وعلامة من علامات الظهور.

من مظاهر البلاء والظلم:

1 ـ الفتن:

بين الرسول الأعظم بأن موجات متلاحقة من الفتن ستعصف بهذه الأمة من بعده، حيث ستجتاح الأمة فتنة، ثم تليها فتنة أخرى أضعاف الفتنة الأولى، ثم تليها فتنة ثالثة لا يبقى معها لله محرم إلا استحل... (راجع الحديث رقم 45 ج 1). وأشار مرة ثانية إلى هذه الفتن الثلاثة بحديث آخر هو (الحديث رقم 47 ج 1).

ووضح رسول الله الصورة فقسم الفتن إلى أربعة، ففي الأولى يصيبهم البلاء حتى يقول المؤمن هذه مهلكتي، ثم تنكشف، وتنكشف الثانية وتطول الثالثة، فكلما قيل بأنها قد انقضت تتمادى، وتتسع، أما الفتنة الرابعة فيصير المسلمون فيها عمليا إلى الكفر... (راجع الحديث رقم 46 ج 1). وبسط الرسول الصورة للمسلمين ووضحها قائلا: بالفتنة الأولى يستحل الدم، والثانية يستحل فيها الدم والمال، والثالثة يستحل فيها الدم والمال والفرج، أما الرابعة فيقودها الدجال، (راجع الحديث رقم 48 ج 1).

وركز الإمام محمد الباقر على فتنة بالشام يطلب الناس المخرج منها فلا يجدونه. (راجع الحديث رقم 732 ج 3).

وذكر الباقر أيضا بأنه سيكون هنالك قتل ظاهر بين الكوفة والحيرة (الحديث رقم 732 ج 3).

ويصور الرسول إحساس الناس آنذاك بقوله: (حتى لا يجد الرجل ملجأ يلجأ إليه من الظلم). (الحديث رقم 44). وفي حديث آخر تراه يقول: (ثم تكون فتنة كلما قيل انقطعت تمادت حتى لا يبقى بيت إلا دخلته ولا مسلم إلا حكته).

(الحديث رقم 43). وفي حديث ثالث يصف رسول الله الحالة... فيقول....

وحتى يأتي الرجل القبر فيقول يا ليتني كنت مكانك. (الحديث رقم 50 ج 1).

ووصف الإمام علي تلك الحالة بقوله: (تمتلئ الأرض ظلما وجورا حتى يدخل كل بيت خوف وحرب....). (الحديث رقم 65 ج 35).

المهدي هو الحل، وهو الدواء وبعد أن شخص رسول الله، جانب الفتن أكد أن المهدي هو الوحيد الذي سيقضي على هذه الفتن ويعيد الأمور إلى نصابها، ففي كل حديث من الأحاديث التي ذكرناها فتحه رسول الله بالقول: (حتى لا يجد الرجل ملجأ يلجأ إليه من الظلم فيبعث الله رجلا من عترتي...). (الحديث رقم 44 ج 1). وفي (الحديث رقم 45) قال: (.... ثم تكون فتنة فلا يبقى لله محرم إلا استحل، ثم يجتمع الناس على خيرهم رجلا (يعني المهدي).... (الحديث رقم 45 ج1).

وفي الحديث رقم 50 ج 1، قال الرسول (... لا يستقيم أمرهم حتى ينادي مناد من السماء عليكم بفلان (يعني المهدي). ومثله قول الرسول أيضا... (ثم تكون أمور كريهة شديدة عظيمة، ثم يخرج المهدي من ولدي...). (الحديث رقم 52 ج 1)، وإلى هذه المعاني أشار الإمام الباقر بقوله: (يا جابر لا يظهر القائم حتى يشمل الناس بالشام فتنة يطلبون المخرج منها فلا يجدونه)... (راجع الحديث رقم 732 ج 3).

والخلاصة أنه عندما تتمادى الفتن وتتسع لتشمل الناس، يصبح المهدي هو المخرج الوحيد من سلسلة الفتن التي لا تنقطع وأن تمادي الفتن علامة بارزة من علامات ظهور المهدي المنتظر.

2 ـ امتلاء الأرض بالظلم والجور والعدوان:

الظلم والجور والعدوان والفتن المتلاحقة، والشرور التي تعصف ببني البشر كلها، ثمرات مرة وطبيعية لحكم الظالمين، ولفقههم فقه الهوى الفاسد.

فكل ظالم على الإطلاق يستولي على السلطة بالقوة والتغلب وكثرة الأتباع الراكضين خلفه طمعا برغيف العيش، فإذا قبض الظالم على السلطة، يخترع وزمرته فقه هوى خاصا به، ليسوس وفقه المجتمع العاثر الحظ الذي سقط بين مخالب الظالم وأعوانه، فيفسدون بفقههم هذا كل شيء في المجتمع، ويتبخر القسط والعدل والرحمة، وتصبح أسماء لا مضامين لها، وتمتلئ أرض الإقليم الذي يحكمه الظالم بالظلم والجور والعدوان، ويغلب الناس على أمرهم فيسكتون.

رغبة أو رهبة، وقد يتمادى الظالم فيسمي ظلمه عدلا، وقسوته رحمة، ويقلب كل الحقائق رأسا على عقب، أو يحرفها فيمسخها، حتى إذا ما دنت منية الظالم عهد بحكمه وبخلافته لابنه أو أخيه أو قريبه، أو صديقه، وتستمر دورة التغلب والعهد حتى يظهر من عالم الغيب متغلب جديد، فتبدأ عهود ظلم جديدة، ودورة جديدة من دورات العهد والتعاقب على الحكم. هذه هي الطريقة الوحيدة التي يتولى فيها الظالمون الحكم ضاربين عرض الحائط بالشرعية الإلهية.

ويبدو أن هذه الطريقة ستنتشر على مستوى الكرة الأرضية لها، بحيث يستولي الظالمون في كل إقليم من أقاليم الأرض، وفي كل مجتمع من المجتمعات البشرية على السلطة بالقوة والتغلب وكثرة الأتباع، ويفرضون على مجتمعاتهم فقه هواهم، حيث سيصبح العالم كله تحت حكم الظالمين، وبحيث يسوس فقههم الفاسد كافة المجتمعات البشرية. ونتيجة لحكم الظالمين ولسيادة فقههم تمتلئ الأرض بالظلم والجور والعدوان، وتكتوي البشرية بهذا الجحيم الشامل، هنا فقط يظهر الإمام المهدي المنتظر، ليملأ الأرض قسطا وعدلا بالحكم الإلهي، بعد أن ملأها الظالمون بالظلم والجور الناتج عن حكمهم وفقههم، فامتلاء الأرض بالظلم والجور والعدوان، وشمول حكم الظالمين للعالم كله، وسيادة فقههم علامة بارزة من علامات ظهور المهدي المنتظر، لأنه المؤهل الوحيد لقطع دابر الفتن، وقصم ظهور الظالمين، ورفع فقههم من الأرض، وهو المؤهل الوحيد ليملأ الأرض قسطا وعدلا بعد أن ملئت ظلما وجورا. وهذا ما عناه الرسول بسيل الأحاديث التي عالجت هذه الناحية. وهذا أيضا ما عناه الإمام الباقر بقوله: (لا يخرج المهدي حتى ترقى الظلمة). (راجع الحديث رقم 801 ج 3 من المعجم، وراجع الأحاديث النبوية أرقام 51 و 62 و 565 من أحاديث المعجم).

3 ـ الحرب والطاعون:

لا يكتفي الظالم بإذلال رعيته، وإرغامها على أن تفض مشكلاتها وفق قواعد فقه الهوى الذي اخترعه، ولا يكتفي بأن يملأ الإقليم الذي يحكمه بالظلم والجور والعدوان، بل يطمع بأن يوسع رقعة ملكه على حساب ممالك الظالمين المحيطة به، وتعميم فقهه، هذه طبيعة ثابتة بظلمة الأرض، ونتيجة لهذه المطامع تنشأ وتنشب الحروب بين الظالمين وكلها حروب عدوانية لا ناقة للشعوب بها ولا جمل وغايتها توسيع رقعة الملك، وتعميم الفقه الفاسد، أو درء خطر يتهدد ملك ظالم، وقد يكون الخطر وهميا، لا وجود له إلا في ذهنية الظالم المريض. وبمناخ الحروب والدمار تنتشر الأمراض بين الناس وعلى الأخص مرض الطاعون.

وهذا ما عناه رسول الله بسيل الأحاديث التي تحدثت عن الفتن والتي أشرنا إليها قبل قليل. وهذا ما وضحه الإمام الباقر بقوله: (قدام القائم موتان موت أحمر وموت أبيض حيث يذهب من كل سبعة خمسة، الموت الأحمر السيف، والموت الأبيض الطاعون). (الحديث رقم 994 ج 1). ومثله قوله: (لا يكون هذا الأمر أي لا يظهر المهدي) حتى يذهب ثلث الناس، فقيل له: (إذا ذهب ثلث الناس فما يبقى فقال عليه السلام: (أما ترضون أن تكونوا الثلث الباقي) (الحديث رقم 995 ج 3 من المعجم)، وتلك علامة بارزة من علامات ظهور المهدي المنتظر.

علامات أخرى لظهور المهدي المنتظر:

وذكر أئمة أهل بيت النبوة علامات أخرى لظهور الإمام المهدي منها:

1 ـ روي عن الإمام الباقر قوله: (إذا رأيتم نارا من قبل المشرق شبه الهردي العظيم تطلع ثلاثة أيام أو سبعة فتوقعوا فرج آل محمد)... (الحديث رقم 783).

2 ـ وروي عن الإمام السجاد قوله: (يكون قبل خروجه (أي المهدي) خروج رجل يقال له عون السلمي بأرض الجزيرة ويكون مأواه بكريت، وقتله بمسجد دمشق، ثم يكون خروج شعيب بن صالح من سمرقند، ثم يخرج السفياني الملعون من الوادي اليابس وهو من ولد عنبسة ابن أبي سفيان. (راجع الحديث رقم 720 ج 3).

3 ـ وروي عن الإمام الصادق قوله: (يزجر الناس قبل قيام القائم عن معاصيهم بنار تظهر في السماء، وحمرة تجلل السماء، وخسف ببغداد، وخسف ببلدة البصرة ودماء تسفك بها، وخراب دورها، وفناء يقع في أهلها، وشمول أهل العراق خوف لا يكون لهم معه قرار). (الحديث رقم 1047 ج 4).

4 ـ وروي عن الإمام علي قوله: (إذا اختلف الرمحان بالشام لم تنجل إلا عن آية من آيات الله، قيل وما هي يا أمير المؤمنين)؟ قال: رجفة تكون بالشام يهلك فيها أكثر من مائة ألف، يجعلها الله رحمة للمؤمنين وعذابا على الكافرين فإذا كان ذلك، فانظروا إلى أصحاب البراذين الشهب المحذوفة، والرايات الصفر تقبل من المغرب حتى تحل بالشام، وذلك عند الجزع الأكبر والموت الأحمر، فإذا كان ذلك فانظروا خسف قرية من دمشق يقال لها حرستا، فإذا كان ذلك خرج ابن آكلة الأكباد من الوادي اليابس، حتى يستولي على منبر دمشق، فإذا كان ذلك فانظروا خروج المهدي). (راجع الحديث رقم 631 ج 3 من المعجم والمراجع المدونة تحته).

5 ـ وروي عن الإمام قوله: (سنة الفتح ينبثق الفرات حتى يدخل في أزقة الكوفة). (راجع الحديث 1056). وقبل ظهور الإمام المهدي بسنة يفسد الثمار والتمر في النخل). (الحديث رقم 1055)، وروي عنه أيضا: أن المهدي لا يخرج إلا في وتر من السنين سنة إحدى، أو ثلاثة، أو خمسة، أو سبع أو تسع، (الحديث رقم 1053)، وروي عن الإمام جعفر قوله: (العام الذي فيه الصيحة قبله الآية في رجب، قلت وما هي؟ قال وجه يطلع في القمر ويد بارزة). (الحديث رقم 1058)، وأن المهدي سيظهر يوم السبت الموافق العاشر من محرم يوم عاشوراء، حيث سيكون بين الركن والمقام. (الحديث 1060). قال ابن حماد في ص 92:

(ينحسر الفرات عن جبل من ذهب وفضة، فيقتل عليه من كل تسعة سبعة،...

(راجع عصر الظهور للشيخ علي الكوراني ص 118، وراجع الأحاديث النبوية المتعلقة بالكنز وهي تحمل الأرقام 294 ـ 296 ج 1).

6 ـ جاء في صحيح مسلم ج 8 ص 180 لا تقوم الساعة حتى تخرج نار بالحجاز تضئ لها أعناق الإبل ببصرى، أي يصل نورها إلى مدينة بصرى بسوريا، (راجع عصر الظهور ص 265).

7 ـ تتفق الأحاديث في مصادر الشيعة والسنة على أن مقدمة ظهور المهدي في الحجاز حدوث فراغ سياسي فيه وصراع على السلطة بين قبائله). راجع عصر الظهور ص 261، بدايته قتل ملك بسبب قضية أخلاقية، ثم تهتز مؤسسة الحكم في الحجاز فكلما نصبوا ملكا لا يبقى لأكثر من سنة، وينتهي الأمر إلى ظهور.

المهدي. (راجع عصر الظهور ص 262).

8 ـ ويفهم من بعض الأحاديث النبوية بأن أرض العرب قبل ظهور المهدي بقليل أو بعد ظهوره، ستعود مروجا وأنهارا، وأكبر الظن بأن هذه التغييرات الجيولوجية الجذرية في أرض العرب ستحدث بعد ظهور المهدي، وبعد أن تنزل السماء كل قطرها، وتخرج الأرض كل مائها ونبتها كما بين الرسول، على ضوء هذا الفيض من العطاء تحدث تلك الانقلابات الجيولوجية.

9 ـ وبين رسول الله بأن الله يبعث المهدي بعد يأس وحتى يقول الناس لا مهدي... (راجع الحديث رقم 312 ج 1 من المعجم).

10 ـ وبين رسول الله بأن المهدي لا يخرج حتى تقتل النفس الزكية، فإذا قتلت غضب عليهم من في السماء ومن في الأرض، فأتى الناس المهدي فزفوه كما تزف العروس إلى زوجها ليلة عرسها... (الحديث رقم 319، وجاء في الحديث رقم 320 (تستباح المدينة وتقتل النفس الزكية).

11 ـ وتتكون قناعة خاطئة وعامة عند الناس مفادها أنه ليس للمسلمين حاجة بآل محمد فهم كغيرهم من الناس. (راجع الحديث رقم 614 من المعجم).

الفصل السابع

علامات تتزامن مع ظهور المهدي المنتظر

ظهور العلامات البارزة السابقة التي أشرنا إليها قبل قليل، يفيد قطعا بأن المهدي المنتظر قد تلقى الأمر الإلهي بالظهور، وأنه يتأهب للظهور بالفعل، وبالتالي يتوجب على أوليائه وبالتالي يتوجب على أوليائه أن يتوقعوا ظهوره بالعشي والإبكار، لأن تلك العلامات بوجه من وجوهها بشائر بظهور المهدي، وبشائر بالإنقاذ والهدى.

وهنالك نمط آخر من العلامات، حيث يتزامن ظهور تلك العلامات تماما مع الوقت الذي يبدأ فيه المهدي المنتظر بالظهور، وأبرز تلك العلامات ظهور شخصية أموية، حاقدة على آل محمد، تحاول وبكل ما يتيسر لها من قوة أن تحول بين المهدي وبين سعيه لإقامة دولة آل محمد، وقد أطلقت الأحاديث على هذه الشخصية لقب (السفياني).

السفياني، وابن آكلة الأكباد:

السفياني هذا من ولد أبي سفيان، وهو حفيد هند أم معاوية المعروفة بآكلة الأكباد، لأنها حاولت أن تأكل كبد حمزة سيد الشهداء، وأبوه عنبسة. (راجع الحديث رقم 632 ج 3 من المعجم). ويبدو أن هذا الرجل مقيم في الوادي اليابس أو أن قاعدة انطلاقه بهذا الوادي. (راجع الحديث رقم 631 ج 3).

وتصف بعض الأحاديث السفياني بالقول: (بأنه أحمر أشقر أزرق لم يعبد الله قط، ولم ير مكة ولا المدينة). (الحديث رقم 804)، وقد أكدت الأحاديث بأن خروج السفياني من المحتوم الذي لا مفر منه.. (راجع الحديث رقم 811)، الذي رواه الإمام جعفر الصادق ونقل الشيخ علي الكوراني وهو من المتبحرين في (نظرية المهدي) بأن حركة السفياني ستستمر 15 شهرا. (راجع عصر الظهور، للشيخ على الكوراني) يقضي من هذه المدة تسعة شهور في العراق. (راجع الحديث رقم 805 ج 3).

ويبدو واضحا بأن السفياني قد وعى تاريخ أجداده الأمويين وصراعهم الحافل مع النبي وآله، وورث حقدهم الدفين على آل محمد خاصة، والهاشميين عامة، وأنه قد استوعب تجربة جده معاوية وأدرك، بل وتيقن من إمكانية تركيع الأمة بالقوة وحكمها بالتغلب والقهر، ويبدو أيضا بأن السفياني رجل ذكي وخبيث، تيقن من حتمية ظهور المهدي، وأن هذا المهدي هاشمي ومن ذرية محمد وأنه سيكون دولة لآل محمد تحكم العالم كله، فأخذ الحقد يغلي في قلبه كالمرجل، وصمم أن يحاول وبكل قواه صرف شرف المهدية عن المهدي الهاشمي، تماما، كما حاول أجداده أن يصرفوا شرف النبوة عن محمد الهاشمي، وصمم السفياني على بناء ملك خاص بالأمويين تماما، كما فعل جده معاوية، ويلوح لي بأن المهدي سيجمع حوله كل الكارهين لآل محمد والحاقدين عليهم، وآل الدنيا وسفلة المغامرين والمرتزقة، ويبدو أن الرجل سينجح وسيجتاح حوران ودرعا، وسيصل إلى دمشق، ويعلو منبرها. (راجع الحديث 631)، ويبدو أنه سيحتل الأردن، وسيغزو العراق، ويبلغ السفياني أن المهدي المنتظر قد ظهر في مكة، فيجهز السفياني جيشا كبيرا لغزو المدينة والقضاء على حركة المهدي وهي في مهدها، ويسمع المسلمون بهذا الجيش الزاحف خاصة أهل الحجاز، ويسير جيش السفياني بالفعل، وخلال هذه المدة يكتب السفياني للقادة الإيرانيين ليدخلوا في طاعته، وتصل رسل السفياني إلى ايران بالفعل.

ويبدو أن السفياني قد كتب لأمراء العالم الإسلامي، ليدخلوا في طاعته وليس من المستبعد أنه قد يرفع شعارات الوحدة الإسلامية، ومصلحة المسلمين، كما فعل جده معاوية، وفي يوم من الأيام يفاجأ السفياني بأن الجيش الذي قد أرسل للقضاء على حركة المهدي المنتظر قد خسفت به الأرض، ولم ينج منه غير اثنين، أحدهما بشر أهل الحجاز بالخسف، والآخر أحاط السفياني علما بنبأ هلاك الجيش كله، ويدرك المسلمون ساعتها، وبعد انتشار خبر هلاك جيش السفياني، أن المهدي قد ظهر بالفعل. (راجع الحديث رقم 810 ج 3 و 809 و 997 و 803 و 658، راجع الأحاديث النبوية ذوات الأرقام 324 و 325 و 326 ـ 329).

وقد أجمعت الأمة على صحة الأحاديث وتواترها وعلى حتمية حدوث الخسف. والخلاصة أن السفياني يتلازم وجوده مع ظهور المهدي حتى قيل أنه لا مهدي بدون سفياني، فظهور السفياني أمر محتوم. راجع (الحديث رقم 712).

وتتحدث الأحاديث النبوية عن ثلاثة سفيانيين، وما يعنينا هو السفياني الذي يرسل جيشا إلى الحجاز للقضاء على حركة المهدي، فيخسف بذلك الجيش ولا ينجو منه إلا اثنان فقط، ويبدو أن (الثلاثة) على خط واحد، ولهم هدف واحد، وبعضهم يخلف بعضا.

حملة الرايات السود:

ومن العلامات البارزة المتزامنة مع ظهور الإمام المهدي، الرايات السود، أو أصحاب الرايات السود، وقد روى الأحاديث المتعلقة بالرايات السود الأئمة من أهل بيت النبوة، ثم رواها أكابر علماء شيعتهم، مثلما رواها العلماء الأعلام من شيعة الخلفاء (أهل السنة)، وقد صحت هذه الأحاديث عند الطرفين، وتواترت عندهم وشاعت بين المسلمين، حتى تحولت إلى قناعة عامة تقرأ بالضرورة مع نظرية المهدي المنتظر المستقرة أركانها وبناها في النفس الإسلامية.

ويبدو أن أصحاب الرايات السود من إيران، وأن السبب المباشر لخروج أصحاب الرايات السود يكمن بخروج السفياني، فأهل ايران من موالي أهل بيت النبوة المخلصين وشيعتهم الصادقين، والأكثرية الساحقة جدا من الإيرانيين يؤمنون بحتمية ظهور الإمام المهدي، وأنه الإمام محمد بن الحسن العسكري ثاني عشر أئمة أهل بيت النبوة، ومن مدة طويلة، وهم يتوقعون ظهور هذا الإمام، فعندما يخرج السفياني الأموي، ويحاول أن يبني ملكا أمويا جديدا على غرار ملك.

معاوية وذرية الحكم بن العاص هذا الملك الذي مس أهل بيت النبوة ومن والاهم بنصب وعذاب، فإن الإيرانيين الذين وعوا التاريخ السياسي للخلافة التاريخية لن يقبلوا بتكرار مأساة الحكم الأموي، بل سيقاتلون حتى آخر رجل منهم للحيلولة دون ذلك، ثم إنه حسب رصد الخاصة من الإيرانيين، فإن أوان ظهور المهدي قد حان، والعلامات كلها قد ظهرت، ولا بد أن يكون ذلك الأموي الطامع ببناء ملك لبني أمية، وتوحيد المسلمين تحت الراية الأموية، لا بد أن يكون هو السفياني اللعين الذي أشارت إليه الأحاديث النبوية، والذي يتزامن ظهوره مع ظهور الإمام المهدي، وتلك هي الفرصة الذهبية التي ترقبها الإيرانيون ليقفوا إلى جانب المهدي المنتظر المنقذ الذي طال انتظاره، وينالوا شرف موالاته ونصرته، أضف إلى ذلك فإن شيعة أهل بيت النبوة المخلصين قد تعلموا من وقائع التاريخ، وآلوا على أنفسهم بأن لا تتكرر مأساة خذلان الإمام الحسين، فإذا كان المسلمون قد تركوا الإمام الحسين وحيدا في كربلاء، ولم ينصروه، فإن الشيعة الصادقة لن تترك الإمام المهدي وحيدا بل ستقف معه، وقفة رجل واحد، وستقاتل دونه حتى الموت.

هذه الأسباب مجتمعة ومنفردة هي التي ستقف وراء خروج أصحاب الرايات السود للتصدي لذلك المغامر الأموي، ومن والاه، ولنصرة الإمام المهدي المنتظر والمساهمة بإقامة دولة آل محمد، دولة العدل الإلهي التي طال انتظارها.

قال الإمام علي: (إذا خرجت الرايات السود... التي فيها شعيب بن صالح، تمنى الناس المهدي فيطلبونه.. فيخرج المهدي من مكة ومعه راية رسول الله...). (الحديث 620).

وجاء في حديث آخر: (إذا خرجت خيل السفياني إلى الكوفة، بعث في طلب أهل خراسان ويخرج أهل خراسان في طلب المهدي)... ويلتقي الجيش الإيراني مع جيش السفياني في منطقة (اصطخر) وتكون بين الجيشين ملحمة عظيمة، تظهر فيها الرايات السود. (راجع الحديث رقم 621).

وقد شجعت الأحاديث المسلمين على الالتحاق والانضمام لحملة الرايات السود القادمين من إيران مثل قول الإمام علي لأحد محدثيه (يا عامر إذا سمعت الرايات السود مقبلة، فاكسر ذلك القفل وذلك الصندوق حتى تقتل تحتها، فإن لم تستطع، فتدحرج حتى تقتل تحتها). (راجع الحديث رقم 624). ومثل قوله: (إذا رأيت أهل خراسان أصبتم أنتم إثمها، وأصبنا نحن برها). ويبدو أن الإمام بهذا الحديث يخاطب أحدا أو جماعة من أعداء أهل النبوة. (راجع الحديث 625). ويبين الإمام بأن القائم العام لحملة الرايات السود رجل من بني هاشم وعلى مقدمة جيشه رجل من بني تميم يدعى شعيب بن صالح. (راجع الحديث رقم 623)، ويقسم الإمام بأن الليل والنهار لا يذهبان حتى تجئ الرايات السود من قبل خراسان، ويربطوا خيولهم بنخلات بيسان والفرات، (الحديث رقم 626، وراجع الحديث رقم 797). ويبين الإمام جعفر الصادق، بأن الرايات السود تخرج من خراسان وعند ظهور المهدي يبعثون له بالبيعة من العراق. (راجع الحديث رقم 797).

والأحاديث النبوية تتفق تماما مع الأحاديث التي رواها علماء أهل السنة عن النبي ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاء وتطريدا وتشريدا حتى يأتي قوم من نحو المشرق أصحاب رايات سود، يسألون الحق فلا يعطونه، فيقاتلون فينصرون، فيعطون ما سألوا فلا يقبلوها حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي، فيملأها عدلا كما ملأوها ظلما فمن أدرك ذلك منكم، فليأتهم ولو حبوا على الثلج فإنه المهدي. (راجع الحديث رقم 245، وراجع المصادر المدونة تحته، منها ابن حماد ص 84، وابن أبي شيبة ج 15 ص 235 ح 1973، وابن ماجة ج 2 ص 366 ح 4082، وأبو داود، والحاكم وقرابة أربعين مرجعا من المراجع المعتمدة عند أهل السنة). وتحدث الرسول عن بلاء يلقاه أهل بيته من بعده، حتى تأتي رايات من المشرق سوداء من نصرها نصره الله، ومن خذلها خذله الله... (راجع الحديث رقم 246). ومثله قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (يخرج ناس من المشرق فيوطئون للمهدي). (الحديث رقم 249)، ووصف رسول الله حملة الرايات السود بقوله: (تجئ الرايات السود من قبل المشرق، كأن قلوبهم زبر الحديد، فمن سمع بهم فليأتهم ولو حبوا على الثلج).

(الحديث رقم 250، والحديث رقم 251 و 253). وبين الرسول مثلما بين أئمة أهل بيت النبوة أن حملة الرايات السود الذين يخرجون لنصرة المهدي هم غير الذين يحملون رايات بني العباس وعلى سبيل المثال قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (تخرج من المشرق رايات سود لبني العباس، ثم يمكثون ما شاء الله، ثم تخرج رايات سود صغار تقاتل رجلا من ولد أبي سفيان وأصحابه من قبل المشرق، يؤدون الطاعة للمهدي). (الحديث رقم 255). ومثل قوله: (تخرج راية سوداء لبني العباس، ثم تخرج من خراسان أخرى سوداء قلانسهم سود وثيابهم بيض على مقدمتهم رجل يقال لهم شعيب بن صالح... توطئ للمهدي). (راجع الحديث رقم 256).

ويتحدث الرسول عن قتال ضار يشتعل بين السفياني ورجاله وبين حملة الرايات السود والخلاصة أن خروج حملة الرايات السود يتزامن مع خروج الإمام المهدي، وأنهم قد جاءوا لنصرته ومحاربة أعدائه، والتوطيد له. (راجع الحديث 250 وما فوق ج 1).

أحداث الحجاز وظهور الإمام المهدي:

بينت الأحاديث النبوية التي رواها أئمة أهل بيت النبوة، والعلماء الأعلام من شيعة الخلفاء (أهل السنة) أنه بالوقت الذي يتأهب فيه المهدي المنتظر للظهور ستحدث أزمة حكم في دولة الحجاز وما حوله، بعد أن يقتل ملك تلك الدولة، وخمس عشرة شخصية من شخصيات تلك الدولة. (راجع الحديث رقم 303 ج 1 والمراجع المدونة تحته). وعلى أثر هذه الحوادث يدب الخلاف والاختلاف بين القبائل التي تدعم ذلك النظام، وتنقسم إلى شيع وأحزاب، ويختل حبل الأمن، حيث ينهب الحجاج، وتكون ملحمة بمنى، يكثر فيها القتلى، وتسفك الدماء، حتى تسيل الدماء على عقبة الجمرة. (راجع الحديث رقم 304 ج 1 والمراجع المدونة تحته).

والخلاصة أنه لن يبقى لنظام الحجاز من الملك إلا الاسم فقط وبعض خلفاء الملك المقتول لن يبقى في الحكم إلا أشهرا وبعضهم أسابيع، وآخر أياما. (راجع أحاديث الإمام الصادق في البحار ج 52 ص 210 و 240، وحديث الإمام الباقر في كمال الدين للصدوق ص 655، وحديث الإمام الرضا في البحار ج 52.

ص 210). ويبدو أن الإمام المهدي وبتوجيه من الله تعالى سيغتنم فرصة ضعف النظام وانهياره، فيظهر، ويبدو أيضا أن علية القوم أيضا سيبايعون المهدي دون أن يطلب منهم ذلك، وأن البيعة ستكون في مكة بين الركن والمقام. (راجع الأحاديث النبوية 303 و 304 و 305 و 306 و 307 ج 1 من المعجم، وراجع المراجع المدونة تحت كل منها).

وما يعنينا هو التأكيد على أن ظهور الإمام المهدي المنتظر سيتزامن مع أحداث نظام حكم الحجاز ومع الفتنة التي تقع بالحجاز، فيظهر المهدي المنتظر وذلك النظام قائم من الناحية الشكلية، ويبايع في مكة التي تخضع اسميا لسلطة ذلك النظام، الذي سيقف عاجزا أمام انفلات الأمور من يده ومبايعة جزء من رعيته للمهدي، وأمام الخطر الناجم عن أنباء زحف جيوش السفياني إلى الحجاز واحتلالها للمدينة المنورة..

الباب الخامس

أنصار المهدي وأعوانه ونمط حكومته

الفصل الأول

أنصار المهدي وأعوانه

مؤمنون من نوع خاص:

نظرا لعظمة وضخامة الغايات التي بعث الله الإمام المهدي لتحقيقها ولجسامة المهمات التي أناط به أمر تنفيذها، فقد هيأ الله تعالى له فئة مؤمنة صادقة من نوع خاص، لتحمل معه أعباء مرحلة تأسيس وبناء دولة الحق ـ دولة آل محمد ـ. وأفراد تلك الفئة التي هيأها تعالى لنصرة المهدي هم خلاصة شيعة رسول الله، وأهل بيته المؤمنة التي عزلت وصمدت وتمسكت بدينها عبر التاريخ، وحملت لواء الحق والإسلام الحقيقي وسط كثرة إدارات ظهرها للحق وللاسلام وساهمت مساهمة فعالة مع أئمة الضلالة لحل عرى الإسلام كلها عروة بعد عروة وتغريبه غربة كاملة عن الحياة، وعزل وتغريب المتمسكين به. إنها رمز الفئة الطاهرة المؤمنة الظاهرة الصابرة حتى ينزل عيسى ابن مريم. (الحديث رقم 29 ج 1 ومصادره المدونة تحته)، الفئة التي تمسكت بالحق، ولم تعبأ بما ناوأها (الحديث: 30 ج 1). إنها عصابة الحق التي لم تبال بمن خالفها، (الحديث: 31) ج 1)، ومصادره، إنها الفئة التي أعاضت العدو على كثرته وقهرته، (الحديث 32)، ولم تكترث بخذلان الغوغاء لها (الحديث 33 ج 1)، إنها الفئة المسلمة التي حفظت جوهر الدين، وجسدت وجوده مع قلتها (حديث رقم 37)، إنها الفئة التي تفقهت في دينها، وقامت على أمر الله، ورفضت فقه الهوى بكل أشكاله وألوانه، وصمدت أمام مكر تزول منه الجبال، (الحديث رقم 38 ج 1، ومصادره المدونة تحته) إنهم الناجمون بالابتلاء الإلهي، الذين محصوا وغربلوا كغربلة الزوان من القمح. (الحديث رقم 731 ج 3). إنهم أولياء حقا، الذين تمسكوا بالثقلين كتاب الله وبيان النبي لهذا الكتاب وبعترة النبي أهل بيته، لذلك استحقوا شرف الولاية، وحتى تتحقق هذه السمة المميزة لهم ينادي مناد بعد الخسف مباشرة: (بأن أولياء الله هم أصحاب المهدي). (راجع الحديث رقم 648 ج 3).

لكل هذه الأسباب أجزل الله ثوابهم، وأعطى الواحد منهم أجر خمسين شهيدا من شهداء الصحابة. (راجع الحديث رقم 25 و 26 ج 1). ولما سئل الرسول عن سر هذه المكافأة والجزالة الإلهية بالعطاء، قال: إنكم لم تحملوا ما حملوا ولم تصبروا صبرهم. (راجع الحديث رقم 26 ج 1).