وكان مما ذكرته، عدا ما مر مضمونه:

اولا: عدم تطابق تاريخ هؤلاء الادعياء مع ما اخبر به الرسول (ص) والائمة من اهل بيته (ع) وما جاء عن بعض الصحابة والتابعين (رض) من تحديد لهوية الامام (ع)اسماونسبا، وصفات وموقعا، وزمانا وخفاء ولادة وغيبة وظهورا.

ثانيا: لم تسبق اي واحد منهم، او ترافقه، او تتاخر عنه العلامات والايات التي تتصل بالامام المنتظر (ع) في هذه الازمنة الثلاثة المتصلة به كما جاء في هذه‏الاحاديث.

ثالثا: عدم تطابق علم اي واحد منهم وخلقه وسلوكه على المستوى العام والخاص مع ما هو معروف عن ائمة اهل البيت (ع) وبروز نزعة الادعاء والتامر عليهم، وكثرة‏الشطط والتناقض عندهم.

رابعا: لم يتحقق على يد اي واحد منهم ما يفترض تحقيقه لدى ظهور الامام (ع) على مستوى العالم فضلا عن الامة، ومنها ان يملا الارض قسطا وعدلا وان يوحد العالم‏ويجعل الاسلام كما انزل محوره وميزانه..

بل على العكس فان كل واحد من هؤلاء ترك جرحا جديدا وسبيل فرقة مضافا. بل ان بعضهم ارتكب، من المظالم، ما استغاثت الامة منه باللّه واستشفعت اليه بالامام ‏وآبائه (ع) ليخلصهم من شروره.

خامسا: ان الامام المهدي المنتظر (ع) ثاني عشر الائمة من اوصياء النبي (ص) قال في التوقيع الصادر لنائبه الرابع علي بن محمد السمري، المتوفى سنة 328، بعد ان‏اخبره بالغيبة الكبرى (وسياتي لشيعتي من يدعي المشاهدة فمن ادعى المشاهدة قبل الصيحة والسفياني فهو كذاب مفتر).

ولا شك في ان الدافع لمثل هذا التحذير ما اعلمه اللّه به من ظهور هؤلاء الادعياء وخداعهم للمؤمنين باسمه (ع)، فاراد ان ينبههم الى عدم قبول ذلك منهم، والا فان اهل‏العلم والايمان اجل واخشى للّه من ان يفعلوا شيئا من ذلك. سادسا: ان الامام المهدي المنتظر (ع) امر، في التوقيع الذي رواه محمد بن يعقوب الكليني رحمه اللّه عن اسحاق بن يعقوب عن محمد بن عثمان العمري، ان يرجع في‏معرفة الاحكام الشرعية الى رواة حديثهم (ع) ولو كان هناك طريق آخر للصلة المباشرة في الغيبة لنبه اليه فقال (ع): (واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة‏حديثنا فانهم حجتي عليكم، وانا حجة اللّه).

سابعا: ان خروج هؤلاء الادعياء المدعين للمهدية والنبوة نفسه هو احدى العلامات التي تسبق ظهور الامام (ع)، فقد ورد في حديث عن رسول اللّه (ص) رواه الشيخ المفيدفي الارشاد قال فيه: (لا تقوم الساعة حتى يخرج المهدي (ع) من ولدي ولا يخرج المهدي (ع) حتى يخرج ستون كذابا كلهم يقول: انا نبي‏). ثامنا: يكفي في تكذيبهم القاطع مع غض النظر عن كل ما قدمناه مناقضة ما صدر عنهم لكتاب اللّه (الذي لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) ولثوابت السنة الشريفة فهما لا يفترقان حتى القيامة، كما جاء في حديث الثقلين.

الكلمة التي اصبحت كتابا:

وطلب الي من احب واقدر، من اهل العلم والفضل وبعض الاساتذة من المؤمنين، استنساخ الكلمة للافادة منها ضمن الظرف.. فطلبت امهالي الى ما بعد رمضان لافيد من‏لياليه في تلافي جوانب النقص فيها. فما يكتب للالقاء غير ما يكتب للقراءة، فساذكر في هذه بعض ما لم يتيسر لي ذره من جوانب ذات اهمية، واتوسع في ما اوجزت فيه‏مما يستحق ذلك، واشير الى المصادر والمراجع للافادة منها لتكون الكلمة اكثر نفعا.

ورغم شواغل علمية طارئة (10) اخذت مني جهدا ووقتا فقد اصبحت الكلمة عندنهاية، شهر رمضان، كتيبا اسميته الامام المهدي (ع) وادعياء البابية والمهدوية بين النظرية والواقع، وقسمته، كما ينبغي في مثله، الى فصلين: الاول في الامام المهدي(ع) والثاني في ادعياء البابية، والمهدوية. وقدرت وانا اسلم الفصل الاول منه ريثما اتم واستنسخ الفصل الثاني استعجالا للتنضيد في العشرة الاولى من شوال سنة‏1417: انه سيكون بحدود (150) صفحة.

لكن اللّه سبحانه شاء ان يكون الامر غير ذلك، فلدى قراءتي المصادر والمراجع في الموضوع رايت ان هناك جوانب هامة بحاجة لوقفة اطول مما فعلت، وذلك ليؤدي‏الكتاب شيئا من الرسالة في موضوعه، ورايت ان امرين هامين جدا لدي هما:

الاول: ان كتابتي عن المهدي المنتظر (ع) يجب ان لا تكون مدخلا وتمهيدا للحديث عن ادعياء البابية والمهدوية كما هو المقرر في البداية، بل اساسا هاما تعتمد عليه‏المناقشة والرد عليهم ضمن النقاط: من اولا الى خامسا في الكلمة بحكم اتصالها بتحديد هوية الامام المهدي المنتظر (ع) التي نستطيع بها نفي سواه.

الثاني: ان هناك بعض المفردات التاريخية والغيبية تثير الشكوك، والتساؤل لدى بعض الباحثين كخفاء ولادته، وغيبتيه الصغرى والكبرى، وامتداد بقائه، وامكان‏مشاهدته، وكيفية انتصاره في مثل عصرنا مع ما نعلم من تقنيات السلاح لدى الدول الكبرى غير الاسلامية.

ثم لا بد بعد ذلك وفي موضوع ادعياء المهدوية والبابية من تناول تاريخها، وما اعتمدته من اسس فلسفية، ودينية والوقوف عند الفرق التي نجمت منها. وما هي‏مبادئها؟ ووسائلها؟ وما الذي قالته وفعلته؟ وما هو اثرها التاريخي؟

وهكذا امتد الكتاب من فصلين الى عشرة فصول، وقد يكون اكثر، ومن 150 صفحة الى ما يقدر ب 800، صفحة وقد يكون اكثر فبعض فصول الجزء الثاني لم تكتب‏ بعد.. ذكرت ذلك لابين اني لم ارسم لهذا الكتاب خطة سابقة، بحكم ما اشرت اليه، وانما هو الذي رسم خطة نفسه اثناء كتابتي له.

وكنت اعط‏ي المكتب الذي احتملني صاحبه‏باخاء وصبر جزاهاللّه خيرا ما ينجز لدي من صفحات استعجالا.. فالكتاب قد قصدت به بدءا هدفا رساليا لا عملا علميا. وذلك ما ارجو ان يكون عذري عما قد يكون ادى‏اليه فقدان الخطة العلمية ابتداء من عدم توازن الفصول وبحوثها كميا، وربما كيفيا، وما ادى اليه الاستعجال، وتنضيده بالصورة التي ذكرتها من تكرار بعض الافكار اوالهوامش، وامثال ذلك، ثم ما احدثته تجزئته الى جزئين في مرحلة متاخرة من ملاحظات مضافة..

وقد جعلت الجزء الاول خاصا بموضوع الامام المهدي المنتظر(ع) بينما يتناول الجزء الثاني: ادعياء البابية والمهدوية.

منهج البحث:

وقد كان منهج، هذا الجزء، كما املتها الظروف التي ذكرتها، في خمسة فصول يضم كل فصل منها ثلاثة بحوث، بالصورة التالية:

في البحث الاول من الفصل الاول:

الفصل الاول، ويتضمن ثلاثة بحوث: البحث الاول، وقد عرضنا فيه، اولا: بيان ان الاعتقاد بظهور الامام المهدي (ع) عقيدة اسلامية لا شيعية فقط، ووقفنا عند المشككين‏به وراسهم ابن خلدون وذكرنا ما اورده من حيثيات هذا التشكيك ثم ما تصدى له به كبار العلماء من اهل السنةمن مناقشات تبطل كل ما استند اليه من هذه الحيثيات‏بصورة مفصلة وتقدم الادلة على صحة الاعتقاد بالامام المهدي (ع) وظهوره، واوردنا عددا كبيرا من الكتب الحديثية التي خرجت الاحاديث فيه عن 25 صحابيا وما نصوا عليه من صحة الكثير منها.

وعدت تحت عنوان: الامام المهدي (ع) من عقائد اهل السنة، لاقدم عددا من كبار العلماء نصوا على كون الايمان به من عقائد اهل السنة، او نصوا على تواتر الاحاديث فيه‏مما ينهي حتما الى ذلك.

وتحت عنوان من هو المهدي؟ ومتى ولد؟

بينت اختلاف المسلمين وراء القدر المشترك بينهم فيه...

فذكرت اختلافهم في جده الاعلى، وما اذا كان الحسن السبط، او الحسين (ع)؟

وذكرت ادلة الطائفة الاولى التي رات انه من ذرية الحسن (ع) وقد اعتمدت على ثلاث روايات نوقشت، اولا، بانها ضعيفة سندا، وبان احداها مقطوعة، وثانيا، بانهامعارضة بروايات اخرى اكثر واصح بعضها عن راوي احدى الروايات السابقة نفسه، ولانهم نصوا على ما اصيب به هذا الراوي من نسيان وخلط فقد احتملنا ان الامر في‏روايته الاولى كان نتيجة لذلك...، واتهمنا دعاة محمد بن عبداللّه الحسني المعروف بالنفس الزكية بهذا التحريف كالذي حصل من دعاة المهدي العباسي الذين وضعوا مايجعله من نسل العباس فاسقطها المحدثون ونصوا على وضعها من قبلهم. ما الاختلاف في اسم ابيه، وما اذا كان اسمه عبداللّه، او غيره... فقد ذكرنا ان اساس القول في ان‏اباه عبداللّه ما جاء في الحديث الوارد عنه (ص) من قوله: (اسمه اسمي واسم ابيه اسم ابي‏)، والفقرة الاخيرة مضافة للحديث كما يثبت البحث.

فقد اخرج المحدثون كاحمد بن حنبل في المسند والترمذي وابو داود، والطبراني، والبيهقي احاديث نص المحدثون على صحتها خالية من هذه الفقرة..

وقد احصى الحافظ ابو نعيم الاصفهاني: طرق الحديث عن الجم الغفير كلها عن عاصم بن ابي النجود عن عبداللّه بن مسعود عن النبي (ص) فوجد ان (23) طريقا منها الاكثر الغالب يروى عن طرق شتى.

ثم بعد ذلك طريق آخر رواه غير عاصم عن زر بن حبيش وهو عمر بن مرة... كل هذه الطرق روت الحديث خاليا من هذه الزيادة الا ما كان من عبداللّه بن موسى عن زائدة‏عن عاصم، ولذلك فان المقارنة بين 34 طريقا خالية من هذه الزيادة بطريق واحد مضافا الى معارضته باحاديث اخرى متواترة تثبت بالنص او الاستنباط بان اباه الحسن(ع) تجعلنا نقطع بسقوطه عن الاعتبار واتهام دعاة محمد ذي النفس الزكية، او دعاة محمد بن عبداللّه المهدي العباسي بوضعه، ثم اوردنا ثلاث طوائف من الاحاديث التي‏رواها حفاظ اهل السنة ومحدثوهم تنص الاولى منها على ان الامام المهدي المنتظر (ع) من ذرية الحسين (ع) وتنص الطائفة الثانية بانه التاسع من ائمة اهل البيت(ع) والطائفة الثالثة هو بانه الثاني عشر من ائمة اهل البيت (ع)، وبذلك تثبتان ان اباه بحكم الواقع التاريخي الامام الحسن (ع) لا عبداللّه.

في البحث الثاني من الفصل الاول:

وتحت عنوان: موقع الامام المهدي المنتظر (ع) من الرسالة، ومن احاديث الائمة من اهل البيت (ع) الذي اردنا ان نبين فيه اتساق ما ورد عنهم (ع) في كتاب الشيعة مع ماانتهى اليه البحث الاول، مع اضافة تتصل بموقع المهدي المنتظر (ع)، وببعض مفردات تاريخه، التي تبدو لبعض الباحثين على شي‏ء من الغموض.. راينا انه لا بد لكي‏تاخذ الاحاديث المروية عن الائمة من اهل البيت (ع) موقعها في الاستدلال من حديث موجز عن نظرية الامامة، وادلتها، فبذلك تاخذ الاحاديث الواردة عنهم (ع): القيمة‏نفسها المعطاة لاحاديث الرسول (ص) بصفتهم اوصياءه، وامتداده في العصمة العلمية والعملية، وخلصنا بالربط بين الحديث الصحيح الذي ينص على ان الائمة من بعد الرسول (ص) اثنا عشر وبين ادلة الامامة الاخرى الى ان اهمية الايمان بالامام المهدي المنتظر (ع) لا تاتي من كونه موضوعا ثابتا بالتواتر عن الرسول (ص) فقط، بل لانه‏ وهذا هو الاهم يتصل باصل من اصول العقيدة، وهو الامامة التي تقتضي ادلتها الايمان بالائمة الاثني عشر (ع) على نحو العموم المجموعي.

وبذلك فسرنا الاهتمام الخاص والاستثنائي الذي اعطاه الرسول (ص) واوصياؤه (ع) للحديث عن موضوعه (ع)، بحيث لم يغفل احد منهم (ع) التبشير به، والحديث عن‏كل مفردة من تاريخه، ولولا ذلك لكان من الصعب ان يستوعب المؤمنون ما يحيط بتاريخه من ملابسات وغموض. وقد اشرنا الى ان في الاحاديث الواردة عن كل واحدمنهم (ع) عدا تواترها، واتساقها في الدلالة في ما تحدثت عنه من شانه وجه دلالة اخرى مضاف، وهو انها او بعض كثير منها، كما يقول الشيخ الصدوق رحمه اللّه،رويت، وحفظت في الصحف ودونت في الكتب قبل ان تقع الغيبة بمئتي سنة او اكثر... وقد قدمنا عددا من الكتب المؤلفة لايراد الاحاديث الواردة في موضوعه(ع) ابتداءمن عصر الغيبة الصغرى.

ثم اخترنا امثلة مما روي عن الرسول (ص) وكل واحد من اوصيائه (ع) باضافة الزهراء فاطمة (ع) تتناول ما اشرنا اليه من موضوعه، وكل مفردات تاريخه، وذكرت في مااوردته عن الامام الحسن العسكري (ع) ما نص به (ع) على امامته، وغيبته بعد ان اراه لعدد كبير من اصحابه ضم مجلس واحد من اعيانهم اكثر من اربعة واربعين شخصاعدا مناسبات فردية اخرى كالذي كان من ذلك مع احمد بن اسحاق الاشعري وعمرو الاهوازي وحكيمة بنت الامام الجواد، وعثمان بن سعيد واسماعيل بن علي‏النوبختي، وكامل بن ابراهيم المدني، وابي الاديان (11). اما ما ورد عن الامام المهدي المنتظر (ع) نفسه من اشارته الى نفسه، وتاريخه بالصورة التي تحدث عنها آباؤه (ع) فقد ذكرته في البحث الاول من الفصل الثاني الذي‏تناول اخفاء ولادته، واضطلاعه بالامامة طفلا وغيبته الصغرى، لندلل على ان الخفاء والغيبة كانا نسبيين.

وخلصنا، في ضوء هذا البحث، متسقا مع البحث الاول، الى الخلاصة التالية:

1- ان المهدي المنتظر (ع) هو الامام محمد بن الحسن العسكري (ع) الثاني عشر من اهل البيت (ع) اوصياء الرسول(ص) المولود في النصف من شعبان سنة 255 ه.

2- انه لا يوجد فصل نسبي ولا زماني بين الامام المهدي المنتظر (ع) وبين اوصياء الرسول (ص) وشهود رسالته من آبائه (ع) وانه (ع) داخل دون انقطاع في الائمة‏الاثني عشر الذين نص عليهم الحديث المتفق على صحته وما تعطيه ادلة الامامة الاخرى من خصوصية العصمة العلمية والعملية والتاييد بالملائكة، والمرتبة التي تجعل‏المسيح (ع) يصلي خلفه ومن الصعب اثبات هذه الخصوصيات الثابتة له مع الانقطاع الزمني والنسبي الذي تفترضه النظرية الاخرى.

3- ان الاحاديث المروية بصورة متواترة فيه تشخصه بكل مفردات تاريخه، وتفسر الجوانب الغامضة منها وتنظر لها بما يوجد في تاريخ الرسل والانبياء.

فهو معروف بها اسما ونسبا وموقعا عدديا من سلسلة الائمة من اهل البيت (ع) ووالدا ووالدة، وخفاء ولادة، وصفة، وغيبة صغرى وكبرى، وظهورا، وما يسبق ذلك من‏علامات عامة وخاصة، وما يرافقه ويتاخر عنه من آيات وخصوصيات زمنه وعالمه وغير ذلك مما لا يترك مجالا لادعاء موقعه من غيره مطلقا.. وهي نتائج حاسمة‏وهامة من دون شك.. في البحث الثالث من الفصل الاول:

تحدثت عن راي اهل الكشف ممن هم من اهل السنة اصلا، وموافقتهم لما يراه الامامية من كون الامام المهدي المنتظر(ع) هو الامام الثاني عشر محمد بن الحسن‏العسكري. ولم اجعله دعامة اساسية ودليلا بل مؤيدا...، لذلك قدمت خلاصة البحث قبله وذكرت في بداية ذلك الاشكال على استدلالي بالكشف مع عدم ايماني‏بحجيته اذا استقل واجبت عنه... ثم ذكرت ما وقع به ابن خلدون من خطا في نسبة هذا الراي للمتأخرين من الصوفية واشارته اليه مجملا، واستشهدت على سبيل الاجمال‏بما اورده ابو بكر البيهقي المتوفى سنة 458 ه والذي سبق ابن خلدون ب 340 عاما من نصه على موافقة اهل الكشف الامامية في تحديدهم لشخص الامام ونسبه‏وولادته، وغيبته، وظهوره ثم استشهدت مفصلا بايراد ما قاله سبعة من اعلامهم في ذلك.

في البحث الاول من الفصل الثاني:

تحدثنا عن خفاء ولادته وغيبته الصغرى وما اثاره ذلك من شكوك.

وقد ناقشنا ما يتصل بامر خفاء ولادته:

اولا: بما انذر بها مقدما من الروايات المتواترة عن المعصومين(ع) وبيان انها مما تفرضه الظروف الموضوعية المتصلة بالسلطة الحاكمة من جهة وبعمه جعفر الكذاب‏من جهة اخرى، وقد اشرنا هنا الى بعض ما قدمناه منها.

ثانيا: ان خفاء ولادته كان نسبيا، واشرنا الى ما مر من ان اباه الحسن(ع) اراه كما قدمنا في الروايات الواردة عنه من الثالثة حتى الثامنة الى عدد كبير من شيعته، ونص(ع) امامهم على امامته، واوردنا ايضا من ذلك منها ما لم نورده هناك، وذكرنا عددا آخر ممن شهد بولادته، ورؤيته، وراى دلائل الامامة منه.

تحدثنا عن غيبته (ع)، وانقطاعه عن الصلة بالناس في الغيبة الصغرى، فقد ربطناها كما هو الواقع بنفس الظروف الموضوعية التي اوجبت اخفاء ولادته (ع) وذكرنا في‏الاجابة على التساؤلات:

اولا: انذار المعصومين (ع) بها، والتنظير لها بما ورد في تاريخ الانبياء(ع).

واشرنا الى بعض ما اوردناه من ذلك في البحث الثاني من الفصل الاول.

ثانيا: انها كانت نسبية، وقد اشرنا الى اهم مظاهر حضوره وهم النواب الاربعة ثم ذكرنا عددا آخر ممن شهده وراى البرهان على امامته فيها، وقد ذكرنا انهم احصوا ممن‏ رآه ثلاثمئة واربعة اشخاص.

في البحث الثاني من الفصل الثاني:

تحدثنا عن اضطلاعه بالامامة طفلا وما يثيره من اشكال، وتشكيك بعض الباحثين. وقد سقت من الاجابة: اولا لذوي العقليات العلمية التي تطلب حتى في المسائل‏التي تتصل بالمشيئة الالهية كالنبوة والامامة شواهد من الواقع عددا من الامثلة التي سجلها العلماء لاطفال جاوزوا المستويات المعروفة في الذكاء والمواهب الروحية‏والعقلية، والقدرة على الاستيعاب بالصورة التي تصبح فيها اشارة للمواهب الاعجازية الاسمى في الرسل (ع) واوصيائهم (ع).

ثم ذكرت ثانيا ما تحدث به القرآن في شان عيسى ويحيى (ع).

ثالثا: بان عمره (ع) قريب من عمر اثنين من آبائه هما الامام محمد الجواد (ع) والامام علي الهادي (ع) وقد اضطلعا بالامامة واقعيا وباعلى اشتراطاتها. وتعرضا لمحاولة‏السلطة في اختبارهما، فكانا آية مدهشة.

رابعا: عدم منطقية الاشكال حول كيفية امامته مع قيامها واقعا، وخضوع كبار العلماء والمتكلمين لها.

في البحث الثالث من الفصل الثاني:

تحدثنا عن نوابه وبعض توقيعاته بوصفها دليلا هاما يضاف الى ما قدمناه على كون غيبته (ع) نسبية، وانه (ع) حاضر مع الامة في كل شان يتصل بها وان لم تتح رؤيته آبصورة مفتوحة للجميع.. وقد وقفنا عند هذا الموضوع خاصة لبيان دلالته بحكم الفترة الطويلة التي تمتد الى ما يجاوز (68) عاما كان فيها النواب القناة الرئيسية‏العامة من الامة اليه (ع) ومنه اليها، واشرنا الى ان هؤلاء النواب ممن لا يدور حولهم شك لدى الامة من اية جهة لامور منها:

1- انهم معروفون لدى الامة تقى، وورعا، وامانة، وعلما، وقربا من ائمة اهل البيت (ع) وكان العلماء من الامة يدركون تميزهم بخصال اوجبت اختيارهم من دون‏سواهم. 2- كانوا موثقين من الائمة (ع) ومنصوص عليهم مباشرة او بالوساطة، وبصورة تجعلهم بمنزلة اللسان واليد او ممثلين خاصين مطلقين كما جاء في النصوص التي‏ذكرناها عن النائب الاول عثمان بن سعيد العمري ثم ابنه محمد بن عثمان رضوان اللّه عليهما ثم الثالث بوساطة الثاني والرابع بوساطة الثالث.

3- كانت اجوبة الامام المهدي (ع) تصدر على يد كل واحد من هؤلاء النواب الاربعة بالخط نفسه المعروف للامام (ع) لدى بعض ثقاة الامة من دون تغيير، وبالدرجة‏نفسها من حيث الاسلوب والمضمون مما يشير الى وحدة الجهة التي يصدر عنها النواب.

4- اظهر اللّه بوساطة الامام (ع) على يد كل واحد منهم من الكرامات المعجزة ما اعط‏ى دليلا قائما مضافا على حقيقة صلتهم به. وذكرنا نصا للشيخ النعماني الذي كان‏ معاصرا لهم يشير الى ذلك، ثم تحدثنا عن كل واحد منهم واشرنا الى مكانته، وما صدر عنه من كرامات وعلم بما نراه كافيا لتجلية الدلالة من هذه النواحي الاربع على‏كل واحد منهم رضوان اللّه عليهم. ثم ذكرنا ما صدر على يد كل واحد منهم من توقيعات بخاصة تلك التي تتصل بموضوع كتابنا من جهة اخرى اي ما يصلح ان تكون‏اساسا لنفي او اثبات في موضوعه الخاص بالامام المهدي (ع) من جهة، وبقواعد الغلاة، وادعياء البابية، ومفاهيمهم من جهة اخرى وختمناها بتوقيعه (ع) الصادر الى نائبه ‏الرابع بوقوع الغيبة الكبرى، وتكذيب مدعي المشاهدة قبل الصيحة والسفياني.

في الفصل الثالث، وعنوانه: الغيبة الكبرى كيف؟ ولماذا؟

تناولنا:

في البحث الاول الذي يجيب على السؤال: (لماذا لا يكون المهدي (ع) رجلا آخر؟)

وهو سؤال تثيره بعض الاشكالات التي اشرنا اليها: واجبنا بان ذلك يفرضه ما ثبت من كونه الامام الثاني عشر (ع) بوصفه آخر الاوصياء (ع) واذا كان العقل والنقل‏يقضيان بعدم خلو الارض من حجة وكان اللّه قد ختم النبوة بمحمد (ص)، وهو المفروض بحكم رتبته فان المتعين، ورسالته خاتمة الرسالات واوصياؤه لا اكثر من هؤلاءالاثني عشر (ع) ان يكون وصيه وامتداده الثاني عشر (ع) هو صاحب الزمان من عهده الاول حتى قيام الساعة. على ان صفات المهدي المنتظر (ع) وموقعه والايات التي‏تحفه، كما هو ثابت في الاحاديث المتواترة، لا يمكن تصورها لمن هو دون مستوى الخلافة للرسول (ص) بالمستوى الاخص، وليس هناك سوى الامام الثاني عشر محمدبن الحسن (ع) وهو ما اثبتته الروايات المتواترة.

والغيبة الكبرى لا تعني الا غلق الصلة به من جهة الناس لا من جهته لو اراد القيام بالتسديد وازالة الشبهات تحقيقا لدوره حجة باقية للّه، وبما اعطاه اللّه من وسائل لاتتحدد بالصورة المباشرة والمادية.

ثم ذكرنا ان هذه الغيبة، بما ينشا عنها من حيرة واشكالات، كالاولى انذر بها الرسول (ص) والائمة (ع) قبل ان يولد المهدي (ع) باكثر من قرنين. واستمر الانذار بها حتى‏آخر امام سبقه ثم منه (ع) واشرنا الى بعض ما قدمناه منها في البحث الثاني من الفصل الاول.

وذكرنا، تحت عنوان: طول العمر بصورة غير معروفة، ان طول العمر لا يثير اشكالا الا اذا نظر اليه ضمن القياسات العادية لا في اطار المشيئة الالهية التي لا تحكمهاالقوانين التي تقوم بها اصلا.

وبقاء الامام (ع) بما ذكرناه من الادلة ونظرنا لها بمعجزات الانبياء (ع) الخارقة لهذه القوانين قبلناه على هذا الاساس لا على اساس منطق العلم والتجربة.. واشرنا الى ان‏هذا هو السر في اختيار الائمة (ع) في التنظير: امثلة من تاريخ الانبياء(ع) ادراكا منهم لعدم وجود ما يمكن القياس عليه في المجرى العادي والطبيعي في الحياة ولنوضع‏في الاطار نفسه. وذكرنا ان بعض العلماء ساق ليثبت امكان طول العمر ووقوعه امثلة مما ذكر من المعمرين، وهو كما قال الشيخ المجلسي غير مجد بعد ما ذكرناه، ولعدم‏امكان التحقق من صحة غير ما ذكره القرآن من اخبار الاحاد، ويكفي التنظير بالمسيح(ع) ونزوله للاجماع عليه ولوجود ما يدل عليه في القرآن الكريم كما اشار اليه الكنجي. وسقنا بالمناسبة ما اثاره بعض الباحثين، وفيهم اعلام، من غيبته وبقائه في السرداب، وبينا انه لا اساس له، وانه خلط بما هو جار من زيارة المؤمنين للسرداب والدعاء بتعجيل الفرج له وللمؤمنين.

وفي البحث الثاني تحدثنا تحت عنوان: ما الحكمة؟

بافتراض ان السؤال، هنا، يقصد به الحكمة من وجود مهدي منتظر اصلا بوجهين ينطقان بحاجة البشرية لذلك:

الاول: عدم تجاوز البشرية لمشاكلها الحادة رغم تقدمها العلمي وعدم وجود ما يشير لذلك مستقبلا.

الثاني: قلة ونسبية ما تستطيع ان تعرفه من اسرار الكون الهائل السعة والعمق حتى في المستقبل. وهو ما يفرض المعلم الالهي دائما.

واشرنا بافتراض ان السؤال قصد به الحكمة من ان يكون هذا المهدي الامام الثاني عشر الى ما اجبنا به في السؤال الاول:

لماذا لا يكون المهدي شخصا آخر؟

اما اذا قصد به الحكمة من الغيبة الطويلة، فاجبنا بانها انتظار الظرف المهيا لقبول الرسالة الالهية، وان ذلك لا يكون الا في آخر ما تبلغه البشرية من شوط في النضج والمعرفة.

ودللنا على ذلك بعدم استيعاب الناس ما طرحه الرسول (ص) والاوصياء من بعده في عصر تاسيس قواعد الرسالة واطرها كما ينبغي، وعدم تجاوبهم معهم نظرياوعمليامما يحتم الغيبة، بانتظار ان ينتج من تفاعلهم مع الواقع التاريخي من جهة، ومع مفاهيم الرسالة من جهة اخرى، الظرف الملائم لاستيعابها بصورة افضل، وبالتالي‏التهيؤ لاستقبال الامام (ع) امتداد الرسول (ص) وخليفته بالمعنى الاخص. وبذلك نفينا ان تكون التقية هي السبب للغيبة الكبرى، وراينا ان طرح بعضهم لها تسامح يقصدبه التقية على الرسالة في ظرف لا يقبلها لا التقية الشخصية من قبل الامام (ع) وقد يكون بعضهم قد نقل ما طرحه الائمة (ع) لتفسير الغيبة الصغرى اشتباها وخلطا..وذكرنا ان الغيبة لا تنافي بقاءه حجة للّه على اهل الارض، بما ان الغياب لا يمنعه من قيامه بوظيفته في التسديد، والتعليم، والاعانة بما اعطاه اللّه من وسائل لاداء وظيفته..ولذلك ورد انه (ع) كالشمس من وراء السحاب.

وفي البحث الثالث تحت عنوان: هل يعني ذلك امكان المشاهدة؟

اجبنا بعدم وجود اشكال في الامكان عقليا وكونيا الا من جهة ما ورد عنه (ع) من تكذيب مدعي المشاهدة في الغيبة الكبرى، وذكرنا محاولة بعض العلماء تضعيف هذاالتوقيع، مع كونه خبرا واحدا وبذلك لا يصلح كما راى لمقابلة القصص المتواترة برؤية الامام (ع) وايراد العلماء لهذه القصص كما قال يعني عدم اعتبارهم لهذاالتوقيع.

وناقشنا ذلك بنفي ادعاء كون الحديث ضعيفا وانه من الصحيح وفي اعلى درجات الصحة بل ذهب بعض العلماء الى القطع بصدوره لقيام القرينة على ذلك. ونفيناايضاان يكون مؤداه في ما عدا اطلاقه واحدا بالمعنى اللغوي والعددي الذي قصده لا الاصولي لورود احاديث اخرى بالمضمون نفسه لكنها تستثني مولاه الذي يلي‏خدمته، او خاصة مواليه الذين هم اخص من خاصة شيعته.. فيكونون خارجين تخصصا كما راى بعضهم، لان حجب من هو خاصة غير وارد، وتخصيصا بحكم هذه النصوص‏وبها يقيد اطلاق التوقيع السابق. ثم ناقشنا دعوى تواتر مشاهدته بانا قرانا اكثر من اربعين قصة منها فلم نجد فيها ما يدل على المشاهدة المباشرة للامام(ع) الا تصور اهلها استنادا لظهور شخص،وصدور كرامة او معجزة، ومع عدم تشخيص اي منهم للامام (ع) من حيث الصورة فان من الممكن ان يكون ذلك عنه، ولامره لا هو (ع) فلا تكون دليلا، بخاصة وان اكثرهذه القصص تدل على تمثل جسم غير مادي اصلا فجاة، وغيابه فجاة، وتحوله نورا احيانا، والاستجابة في كل الامكنة، وتحت كل ظرف، مما ينفي كونه جسما بشريا ماديا وتلك هي المشاهدة المنفية، ولذلك فمن المحتمل ان تكون الرؤية كشفا وبالجسم المثالي البرزخي فتكون غير داخلة في النفي الا ان التحقق من صحتها مع‏احتمالات الخلط والهلوسة لا يجعلها تقبل الا ممن لا يدور حولهم الشك عقلا وعلما وتقى.

وذكرنا عمل العلماء بالتوقيع، وما طرحوه من الجمع بينه وبين ما لا مجال لنفيه من القصص.

وخلصنا الى ان مدعي المشاهدة يكذب في الحالات التالية:

1- اذا ادعى السفارة والتبليغ.

2- اذا ادعى معرفة الامام حال لقائه به.

3- اذا كانت دعوى رؤياه بالصورة البشرية المادية.

4- اذا لم يكن المدعي من خاصة الموالي.

وفي الفصل الرابع تناولنا تحت عنوان: ولكن متى؟

لا توقيت ولكن ثمة علامات. ما ورد عن الائمة من اهل البيت (ع) من النهي عن التوقيت وربطنا ذلك بما ذكرناه من ان ظهوره (ع) منوط بحصول الظرف الذي يتاهل فيه‏العالم لقبول الرسالة الاسلامية بكل ابعادها.. والتسليم بمعرفة وقناعة للّهدى الالهي بقيادة آخر الاوصياء (ع).

وتقدير الظرف ليس جبريا بحكم (اللاجبر واللاتفويض‏) وانما بالاسباب والقوانين المتصلة بها في هذا العالم كما شاء اللّه لدى خلقه العالم ابتداء ليصح التكليف‏والمسؤولية. واذا كان في الاسباب ما هو ثابت فان فيها ما هو متغير، والخيار الانساني داخل ضمنها من دون شك. ولذلك فاذا كان بعض هذه الاسباب في موقع المقتضى‏والشرط فان بعضها قد يكون بالنسبة اليه في منزلة المانع. وطبقا لهذه العلاقة بين المقتضيات والشروط والموانع، بما فيها الخيار الانساني والفاعلية الانسانية، قديتقدم هذا الظرف وقد يتاخر.. وهو معنى (البداء) كما فسره اهل البيت (ع).

لذلك لا مجال للاخبارات القاطعة في غير ما هو محتوم، ولهذا السبب نهى الائمة (ع) عن التوقيت، او لان ظهور الامام بين يدي الساعة كنذير بعد ختم النبوة كما هوواضح من الايات التي تظهر في زمنه والساعة ترتبط بتقدير كونها تشمل المجموعة الشمسية او الحجرة لذلك لا مجال للاخبار بها وذكروا للظهور وعصره علامات‏عامة وخاصة. ذكرنا بعد ان بينا الفرق بينهما:

في البحث الاول: العلامات العامة.

وفي البحث الثاني: العلامات الخاصة.

ويمكن معرفة ما سقناه في كل منهما في فهرست الموضوعات.

وفي البحث الثالث تحت عنوان: انتظار الفرج والدعاء بتعجيله.

ذكرنا ما وجه به الائمة من اهل البيت (ع) شيعتهم من المسلمين لدى اشتداد المحن وتتابع الفتن في ظروف العلامات العامة والخاصة قبل ظهور الامام (ع)، من انتظار الفرج، والدعاء بتعجيله.. وقلنا: ان الانتظار تمليه العقيدة، لدى المؤمن ببقاء الامام (ع) وغيبته، وظهوره بطبيعتها وهو بهذا اللحاظ وما يصحبه من مصابرة، وتحمل للظروف الموضوعية القاسية، وانعكاساتها النفسية والمادية: عبادة وجهاد. وهو ما أراد الأئمة(ع) تأكيده، وبيان قيمته عند اللّه حين قالوا عن المنتظر لأمرهم: انه‏ كالمتشحط بدمه في سبيل اللّه او كالميت في فسطاط المهدي(ع) وعسكره، وهو ايضا كما ارادوا ان يكون حين وجهوا اليه: نفي للقنوط والياس اطمئنانا بوعد اللّه سبحانه. اما الدعاء بتعجيل الفرج الذي هو كما قالوا: فرجنا، فلانه من الاسباب الكونية المؤثرة في تقدير الظرف المؤهل لظهور الامام(ع) كاي سبب كوني آخر بنص القرآن (وقد شرحنا معنى السببية لايضاح دخول الدعاء فيها في الهامش) وناقشنا تحت عنوان، الانتظار لا يعني ترك العمل ما يتصوره بعضهم من ان الدعوة للانتظار دعوة سلبية،وتخديرية بان الانتظار حالة نفسية طبيعية من الترقب لدى المؤمن بمجي‏ء موعود، يلزمها تلقائيا الاستعداد بما هو المفروض المناسب لاستقباله ولذلك فهو حافز العمل لا مخدر.

الفصل الخامس: في البحث الاول:

اجبنا على سؤال بعضهم: كيف يمكن ان ينتصر الامام (ع) مع تقنيات الاسلحة المتطورة لدى الدول الكبرى وهو من غاب تقية في عصر العباسين؟ وناقشنا هذا السؤال‏ببيان خطا النظر الى الامام (ع) وحركته، وامكانياته بالحسابات التي ينظر فيها للناس الاخرين وقياس وظيفته وتعامله في الظهور على ما كان في مرحلة امامته (ع) في عهد التاسيس، وقلنا: ان الاجابة تقتضي ان نعود لنتذكر ما قلناه في بيان الحكمة من هذه الغيبة، فقد قلنا هناك انه انتظار للظرف الملائم. ونعني به اولا ان يتهيا العالم‏بصورة عامة في غاية مساره العلمي والعقلي لتقبل الرسالة الاسلامية حين تطرح بابعادها كما انزلها اللّه على رسوله (ص) خالية مما الحقته بها الاجتهادات المختلفة والتطبيقات التاريخية البعيدة وهناك اكثر من اشارة واقعية للقاء حقيقي بين ما انتهى اليه العلم والفكر وبين اهم الركائز التي يقوم عليها الدين والدين الاسلامي خاصة (اشرنا في الهامش الى شي‏ء من ذلك). وذكرنا ان تقدم العلم تصحبه موضوعية وسعة افق من شانهما ايثار الحق والاستجابة له، وسقنا سبعة عوامل تتصل بامكانيات الرسالة نفسها من جهة وما يعطيه اللّه للامام(ع) في عصر الظهور من مدى وقدرات لا يبلغها التصور من جهة ثانية (وذكرنا ما اشارت اليه الروايات منها) ثم ما لعصر الظهور من خصوصيات ايجابية وسلبية (تحدثناعنها) من شانها ان تساعد على هذا النصر من جهة ثالثة.

وقلنا ان هذه العوامل التي تحدثنا عنها بتفصيل، بل بعضها، كافية للاجابة عن هذا السؤال.

في البحث الثاني تحدثنا:

تحت عنوان: ماذا سيفعل؟ عما اعطاه ادعياء المهدوية لحديث:

ياتي بامر جديد من معنى محرف ينسجم مع ما يحاولونه من هدم الاسلام، ونشر البدع. وقد ناقشنا ذلك‏بتفصيل مبينين مناقضته للثابت من خلود الرسالة وموقع الامام (ع) بوصفه وصيا للرسول (ص) وخليفة له، واشرنا الى توقف العلماء في ما ظاهره النسخ وتفسيرهم له.واعطينا المعنى الصحيح للحديث في ضوء الواقع من جهة، وما جاءت به الاحاديث عما يفعله الامام (ع) من جهة ثانية، وخلصنا الى ان رسالة الامام (ع) هي رسالة الاسلام‏نفسها كما انزلت على الرسول (ص) عارية عن الاجتهادات النظرية المختلفة، والتطبيقات التاريخية البعيدة متصلة بما اعط‏ى اللّه الامام (ع) من امكانات استثنائية خاصة‏في صورة التطبيق ومداه. وفي البحث الثالث: تحت عنوان:

الامام المهدي المنتظر (ع) وعقيدة الرجعة:

ذكرنا ارتباط هذه العقيدة بالامام (ع) امرا وشخصا وزمانا، وذكرنا الاراء الثلاثة المطروحة فيها.

والاول يرى انها تعني رجوع امر اهل البيت (ع) لا رجوع بعض الاموات وذكرنا ما حملهم على هذا الراي وابطلناه.

واوردنا ما قاله العلماء من ان ما ورد في الرجعة نصوص لا تقبل التاويل.

والراي الثاني يرى انها تعني رجوع الامام (ع) نفسه كعيسى (ع) الذي لا خلاف بين المسلمين في رجوعه مع انه قد توفاه اللّه، وسقنا ما ذكر من عدم منافاة هذا الراي لحياة الامام (ع) طبقا للمفهوم الحقيقي للحياة الذي لا ينافيه الموت بمعناه الذي يعني الانتقال لا بالمعنى العامي الشائع من الانقطاع.

وان ذلك لا ينافي ايضا استمرار مهمته في الامامة التي تعني التوجيه والتسديد والتعليم، للصلة المفتوحة بين اهل السماء والارض وكما هو جبرائيل بالنسبة للرسل(ع).

وناقشنا ذلك بمنافاته لبقاء التكليف ولصريح بعض الروايات.

وذكرنا رايا آخر فحواه ان هذا الموت ليس طبيعيا وانما هو ارادي، وهو معروف في تاريخ الانبياء والائمة (ع) باسم العروج، ومعروف لدى الحكماء ايضا وفي الدراسات‏ البارسايكوجية الحديثة باسم الخروج الواعي او الارادي من الجسد.

ونزع البدن اراديا والعودة اليه لا ينافي بقاء الامام (ع) في الارض، وحياته بالصورة المادية فيها. وهو ما يفسر لنا استجابته لمن شاء اللّه في اي ظرف واي مكان وتمثله‏فجاة، وغيابه فجاة..

ولكن ذلك لا يجعل للرجعة معنى يتصل بشخصه، لانه لا يختلف عن الراي المشهور.

اما الراي الثالث، وهو الذي يدخل ضمن: ما الذي سيفعل؟

ويعني رجوع بعض المؤمنين وبعض الكافرين في زمنه(ع) كآية عظيمة بين يدي الساعة. ومصداق لمعنى‏كونه النذرالاكبر وقد ذكرنا ان انكارها، والتشنيع على من يعتقد بها، لا يقوم على اعتقاد عدم وقوعها تحت القدرة والا كان كفرا باللّه، وبالمعاد الذي هو اصل اساس لدى‏كل المسلمين، ولا على عدم وقوع الرجعة في التاريخ السابق لورود آيات عديدة تنص على هذا الوقوع سقنا عددا منها، وانما على عدم الانتباه الى ادلة وقوعها في‏المستقبل وفي زمن الامام (ع). ثم ذكرنا عددا من الايات التي لا مجال لفهمها بغير الرجعة بصورتها الجزئية مستقبلا...

ثم ما ورد متواترا عن اهل البيت (ع) في ذلك.

ومع مثل هذه الادلة التي يكفي بعضها لجعل مسالة الرجعة قائمة بوصفها مسالة من ضمن ما جاء به الدين شان كثير من المسائل الاخرى التي يدين بها المسلمون مما لاتملك احيانا جزءا مما تملكه الرجعة من ادلة الاثبات، يكون التشهير بها، واسقاط عدالة معتقدها كما فعل بعضهم موقف تعصب وانسياق تقليدي مع اقوال قديمة‏افرزها الصراع المذهبي لا يرجعان الى اساس من دين وموضوعية وعدل.

النجف الاشرف عدنان علي البكاء الموسوي

الفصل الاول: الامام المهدي (ع) عقيدة اسلامية

 تمهيد

الاعتقاد بالامام المهدي المنتظر (ع) وبانه من اهل البيت (ع)،  من ذرية علي وفاطمة (ع)، وسيخرج في آخر الزمان فيملا الارض قسطا وعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا،عقيدة اسلامية لا شيعية فقط كما قد يتصور بعضهم، وقد نص عدد كبير من علماء السنة على ان ذلك من عقائد اهل السنة او نصوا على تواتر الاحاديث الواردة فيه‏وذلك يعني ايضا حتمية الاعتقاد به لان التواتر يوجب العلم. بل لم يخالف في ذلك منهم الا من لا عبرة برايه في علم الحديث عندهم كابن خلدون المتوفى 808 ه، ومع‏ذلك فقد اعتبرها من المشهور بين الكافة من اهل الاسلام على ممرلاعصار واعترف بصحة بعض ما ورد من الاحاديث فيه.

فقال في مقدمة تاريخه: (اعلم ان المشهور بين الكافة، من اهل الاسلام على ممر الاعصار، انه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من اهل البيت يؤيد الدين، ويظهرالعدل ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الاسلامية ويسمى المهدي، ويكون خروج الدجال وما بعده من اشراط الساعة الثابتة في الصحيح على اثره، وان عيسى‏ينزل من بعده فيقتل الدجال وينزل معه فيساعده على قتله وياتم بالمهدي في صلاته، ويحتجون باحاديث خرجها الائمة وتكلم فيها المفكرون، وربما عارضوها ببعض‏الاخبار. وللمتصوفة المتاخرين في امر هذا الفاطمي طريقة اخرى ونوع من استدلال وربما يعتمدون على الكشف الذي هو اصل طريقهم (12). وحاول ابن خلدون‏مناقشة سند بعض ما ورد من تلك الاحاديث واحتج بعدم رواية البخاري ومسلم لها (13).

ولم يقدم من قلد ابن خلدون في ذلك ادلة مضافة. لذلك ستكون مناقشة ما استند اليه ابن‏خلدون في التشكيك مناقشة لهم كذلك. وقفة مع المشككين  قالوا: (ابن خلدون قفا ما ليس له به علم‏) وقد تعرض ابن خلدون بسبب ذلك الى هجوم ماحق من قبل علماء السنة قبل الشيعة ورد وا على ما اثاره من وجوه التشكيك، فقال الشيخ عبد المحسن العباد في ‏(الرد على من كذب بالاحاديث الصحيحة في المهدي (ع) ص 28)، وهو يرد على الشة التي اثارها ابن خلدون، والجواب:

اولا: ان ابن خلدون اعترف بسلامة بعضها من النقد، اذ قال بعد ايراد الاحاديث في المهدي (ع): (فهذه جملة الاحاديث التي خرجها الائمة في شان المهدي (ع) وخروجه‏آخر الزمان، وهي كما رايت لم يخلص منها من النقد الا القليل والاقل منه‏)، على ان ابن خلدون فاته الشي‏ء ثير من الاحاديث، يعني انه اورد بعض ما ورد في المهدي‏من الاحاديث واوهم قارئه في عبارته السابقة انه اورد جملتها.