كما روي عنه محمد بن مسلم ايضا انه قال سمعت ابا جعفر عليه السلام يقول: القائم منا منصور بالرعب مؤيد بالنصر تطوي له الأرض وتظهر له الكنوز ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب، ويظهر الله عز وجل به دينه على الدين كله ولو كره المشركون، وينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلي خلفه، قال: قلت يا ابن رسول الله متي يخرج قائمكم؟ قال: اذا شبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، واكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء وركب ذوات الفروج بالسروج وقبلت شهادة الزور وردت شهادة العدول واستخف الناس بالدماء وارتكاب الزنا واكل الربا، واتقي الأشرار مخافة ألسنتهم.

وروى عن صفوان بن مهران ان الإمام الصادق عليه السلام قال: من اقر بجميع الأئمة وجحد المهدي كان كمن اقر بجميع الأنبياء وجحد محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم فقيل له: يا ابن رسول الله فمن المهدي من ولدك؟ قال: الخامس من ولد السابع يغيب عنكم شخصه ولا يحل لكم تسميته.

وفي رواية ثانية عنه قال: اذا اجتمع ثلاثة أسامي متوالية محمد وعلي والحسن فالرابع هو القائم.

وجاء عن السيد بن محمد الحميري في حديث طويل جاء فيه: قلت للصادق جعفر بن محمد عليهما السلام: يا ابن رسول الله قد روي لنا الرواة عن آبائك عليهم السلام في الغيبة وصحة كونها فاخبرني بمن تقع، فقال عليه السلام‌ : ‌ان الغيبة تقع بالسادس من ولدي وهو الثاني عشر من الأئمة الهداة بعد رسول الله اولهم أمير المؤمنين وآخر هم القائم بالحق بقية‌الله في الأرض وصاحب الزمان، والله لو بقي في غيبته ما بقي نوح في قومه لم يخرج من الدنيا حتى يظهر فيملا الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما.

وروى محمد بن عمير بسنده إلى ابي بصير ان الإمام الصادق عليه السلام كان يقول: يكون بعد الحسين بن علي تسعة أئمة تاسعهم قائمهم.

وروى الصدوق وغيره عن علي بن جعفر ان أخاه موسى بن جعفر قال: اذا فقد الخامس من ولدي فالله الله في أديانكم انه لا بد لصاحب هذا الامر من غيبة حتى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به انما هي محنة من الله عز وجل امتحن بها خلقه، وروى عنه يونس بن عبد الرحمن انه قال: القائم الذي يطهر الأرض من أعداء الله يملوها عدلا كما ملئت جورا وظلما هو الخامس من ولدي له غيبة يطول امدها خوفا على نفسه يرتد فيها اقوام ويثبت فيها آخرون، ثم قال: ‌طوبي لشيعتنا المتمسكين بحبلنا في غيبة قائمنا الثابتين على موالاتنا والبراءة من أعدائنا أولئك منا ونحن منهم فقد رضوا بنا أئمة ورضينا بهم شيعة فطوبي لهم ثم طوبي لهم هم والله معنا في درجاتنا يوم القيامة.

وروى عن الحسين بن خالد انه قال: قال الإمام الرضا عليه السلام لا دين لمن لا ورع له ولا إيمان لمن لا تقية له وان أكرمكم عند الله أعملكم بالتقية، فقيل له: ‌يا ابن رسول الله إلى متى؟ قال: إلى يوم الوقت المعلوم وهو يوم خروج قائمنا، ‌فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منا، فقيل له: يا ابن رسول اله ومن القائم منكم أهل البيت؟ قال: الرابع من ولدي ابن سيدة الإماء يطهر الله به الأرض من كل جور ويقدسها من كل ظلم، وهو الذي يشك الناس في ولادته وصاحب الغيبة قبلا خروجه، فاذا خرج أشرقت الأرض بنوره ووضع ميزان العدل بين الناس فلا يظلم احد احدا.

وروى عبد العظيم بن عبد الله بن علي بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن ابي طالب عليهما السلام انه قال: دخلت على سيدي محمد بن علي بن موسى بن جعفر أريد ان اسأله عن القائم ما هو المهدي او غيره؟

فابتدأني وقال: يا ابا القاسم ان القائم منا هو المهدي الذي يجب ان ينتظر في غيبته ويطاع في ظهوره وهو الثالث من ولدي، والذي بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوة وخصنا بالإمامة ‌لو لم يبق من الدنيا الا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه فيملا الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، وان الله ليصلح له امره في ليلة كما أصلح امر كليمه موسى اذ ذهب يقتبس نارا فرجع وهو رسول نبي وان أفضل أعمال شيعتنا انتظار الفرج.

وروى عن داود بن القاسم الجعفري انه قال: سمعت ابا الحسن صاحب العسكري عليه السلام يقول: ‌الخلف من بعدي ابني الحسن فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف لأنكم لا ترون شخصه، فقلت: ‌فكيف نذكره، قال: ‌قولوا الحجة‌ من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

وروى علي بن مهزيار عن علي بن محمد بن زياد انه قال: كتبت إلى ابي الحسن صاحب العسكر عليه السلام اسأله عن الفرج فكتب الي: اذا غاب صاحبكم عن دار الظالمين فتوقعوا الفرج، وفي رواية عنه أيضا انه قال: الأمم بعدي الحسن ابني وبعد الحسن ابنه القائم الذي يملا الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما.

وروى احمد بن اسحاق بن سعد الأشعري انه دخل على ابي محمد الحسن بن علي وسأله عن الخلف من بعده، فقال له الإمام: يا احمد ان الله تبارك وتعالي لم يخل الأرض منذ خلق الله آدم ولا يخليها إلى ان تقوم الساعة‌من حجة لله على خلقه به يدفع البلاء عن أهل الأرض وبه ينزل الغيث وبه يخرج بركات الأرض، فقلت: يا ابن رسول الله فمن الإمام والخليفة من بعدك؟ فنهض مسرعا فدخل البيت ثم خرج وعلى عاتقه غلام كان وجهه القمر من ابناء ثلاث سنين، وقال: يا احمد بن اسحاق: لولا كرامتك على الله عز وجل وعلى حججه ما عرضت عليك ابني هذا انه سمي رسول الله وكنيه الذي يملا الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، يا احمد بن اسحاق ان مثله في هذه الأمة مثل الخضر ومثله مثل ذي القرنين، والله ليغيبن غيبة‌ لا ينجو من الهلكة فيها الا من ثبته الله عز وجل على القول بامامته ووفقه فيها للدعاء بتعجيل فرجه وسيرجع عن هذا الامر أكثر القائلين به ولا يبقي الا من اخذ الله عهده لولايتنا وكتب في قلبه الإيمان وايده بروج منه، ومضي يقول: يا احمد هذا امر من امر الله وسر من سر الله وغيب من غيب الله فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين.(1)

ونكتفي بهذه النماذج من مئات الروايات المنسوبة إلى الأئمة عليهم السلام التي تصف الإمام الثاني عشر مهدي هذه الأمة محمد بن الحسن وزمانه وغيبته وما سيقوم به بعد ظهوره ة واذا لم يكن جلها من النوع الصحيح فمما لا شك فيه بان عددا كبيرا منها تطمئن له النفس لان رواته من المعروفين بالوثاقة والاستقامة، لا سيما وانها تتفق في مضامينها مع ما اخبر به من لا ينطق عن الهوى الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الهداة من بنيه.

موقف جعفر بن علي من ابن أخيه المهدي عليه السلام

لم يكن الإمام علي الهادي منشرحا لولادة ولده جعفر ولا متفائلا بحسن مصيره، ولما سئل عن أسباب ذلك قال لامرأة كانت تراقب نظراته وحركاته، كما جاء في رواية كشف الغمة للاربلي: هوني عليك وسيضل به خلق كثير.

وتؤكد الروايات الكثيرة انه لما شب وترعوع انحرف عن اخلاق الإسلام وتعاليمه وعن الخط الرسالي الذي كان آباؤه عليهم السلام قد وضعوه بين ايدي المسلمين لا تمام الحجة عليهم وانقاذهم مما كانوا يعانون من شدة وبلاء، واختار لنفسه منادمة الحكام واجهزتهم والتلهي بالخمور والمنكرات حتى اضطر والده عليه السلام ان يقول لبعض أصحابه: تجنبوا ولدي جعفر فانه مني بمنزلة ابن نوح الذي قال الله فيه: (يا نوح انه ليس من اهلك انه عمل غير صالح) كما جاء في المجلد الثاني من تاريخ سامراء.

ولما سئل عنه احمد بن عبيد الله بن خاقان وزير المعتمد العباسي وكان يتحدث عن اخيه ابي محمد الحسن العسكري، قال: ومن هو جعفر فيسال عن خبره او يقرن به، ومضي يقول احمد ابن الوزير: ولما دفن اخوه الحسن العسكري جاء‌الي ابي وقال له: اجعل لي مرتبة ابي وأخي وأوصل لك في كل سنة عشرين الف دينار فزبره ابي واسمعه ما كره، وقال له: يا احمق ان السلطان اعزه الله جرد سيفه وسوطه في الذين زعموا ان أباك وأخاك أئمة‌ ليردهم عن ذلك فلم يقدر عليه وجهد ان يزيل أباك وأخاك عن تلك المرتبة فلم يتهيأ له ذلك، فان كنت عند شيعة ابيك واخيك اماما فلا حاجة بك إلى سلطان يرتبك مراتبهما ولا غير سلطان وان لم تكن عندهم بهذه المنزلة لم تنلها.

وقال ابو الاديان خادم الإمام الحسن العسكري الذي كان يتولي نقل كتبه ورسائله إلى الشيعة في مختلف المناطق، وكان قد ارسله إلى المدائن وحمله رسائل إلى وجوه شيعته فيها، ولما رجع وجد الإمام قد توفي واخاه جعفر واقفا بباب الدار يستقبل المعزين والمهنئين له بالإمامة بعد أخيه، فقال كما جاء في الرواية عنه: ان يكن هذا هو الإمام بعد الحسن بن علي فقد بطلت الإمامة وكان يعرفه بتعاطي المنكرات والاستهتار بأحكام الله.

وقد ذكرنا ان السلطة كانت جادة في مسانديه وإحلاله محل اخيه وقد قدمته للصلاة عليه لهذه الغاية ولما وقف على الجنازة فوجئ الناس بصبي لم يتجاوز السادسة من عمره يخرج من الدار ويأخذ برداء عمه إلى الوراء وهو يقول: تأخر فانا احق منك بالصلاة على أبي فيتأخر جعفر بدون ان تبدر منه اية معارضة ويربد وجهه وتعلوه صفرة تنم عن الخيبة والفشل، ومع تلك الصدمة العنيفة التي أصيب بها بظهور الوريث الشرعي لأخيه الذي كان يجهله عامة الناس وتنحيته عن الصلاة عليه بحضور تلك الحشود المجتمعة لتشييع الجثمان الطاهر إلى مقره الأخير، فقد بقي في نفسه شيء من الأمل ان يتم له الاستيلاء على مركز اخيه ولو بواسطة السلطة الحاكمة واجهزتها التي كانت تعمل لصالحه وتوجه الوافدين وجباة الأخماس إليه، ولكن جهوده وجهود الحاكمين واجهزتهم تعثرت وباءت بالفشل ذلك لان وكلاء الأئمة وخاصتهم وحتى عامة الشيعة يعرفون ان الذين اختارهم الله للإمامة وقيادة الأمة قد حباهم الله بما يتعسر على غيرهم من الناس، وقد ادعاها قبله اناس بدافع الأنانية وحب الشهرة وبتحريض الحاكمين ومساندتهم ولكنهم سرعان ما انكشفوا على واقعهم وارتدوا على أعقابهم خاسرين، ولم يكن جعفر بن علي بأوفر حظا من أولئك الأدعياء لا سيما وهو بالإضافة إلى جهله معروف بالاستهتار بالدين وممارسه المنكرات، ورجع شيعة آبائه إلى الإمام الشرعي بعد ان اظهر لهم من دلائل الإمامة ما كان يظهره ابوه وأجداده من قبله.

وجاء في رواية ابي الأديان الذي كان يحمل كتبه ورسائله إلى الشيعة في الأمصار ويرجع بأجوبتها إلى الإمام ابي محمد العسكري، ‌انه لما دفن الإمام قال لي ولده القائم: يا بصري هات أجوبة الكتب التي معك فرفعتها إليه وقلت في نفسي هذه بينتان الصلاة على ابيه وعلمه بما احمله من أجوبة الكتب ولم يكن قد علم بذلك احد من الناس، ثم خرجت إلى جعفر بن علي وجلست عنده وبينما نحن جلوس واذا بنفر من قم يقصدون الإمام ابا محمد ولم يكونوا قد عرفوا بوفاته الا بعد دخولهم سامراء، فقالوا: فمن نعزي؟

فأشار الناس إلى أخيه جعفر، فدخلوا عليه وعزوه بأخيه وهنّوه بالإمامة، ثم قالوا له: ان معنا كتبا وأموالا فإذا اخبرتنا ممن الكتب وعن مبلغ المال دفعناها إليك، فقام ينفض ثيابه وهو يقول: تريدون منا ان نعلم الغيب، فلم يدفعوا إليه شيئا.

وفيما هم في حيره من امرهم واذا بالخادم يخرج من دار الإمام فقال لهم: معكم كتب فلان وفلان وهميان فيه الف دينار عشره دنانير منها مطلية فدفعوا إليه الكتب والأموال وقالوا ان الذي اخبرك بذلك هو الإمام بعد ابي محمد، فاغتاظ جعفر بن علي من ذلك ودخل على المعتمد العباسي وقص عليه ما جري للقميين، فوجه معه المعتمد اجهزته فقبضوا على صقيل ام المهدي وطالبوها به فأنكرته فسلموها إلى ابن ابي الشوارب القاضي، ثم تشاغلوا عنها كما يدعي الراوي بموت عبيد الله بن خاقان فجاه وخروج صاحب الزنج في البصرة وخرجت من بين أيديهم.

وجاء في رواية ثانية رواها الصدوق في الإكمال بسنده إلى ابي الحسن ابن علي بن سنان عن ابيه انه قال: لما قبض ابو محمد الحسن العسكري وقدم بالأموال وفود من قم والجبال، ولم يكن عندهم علم بوفاة الحسن عليه السلام فلما قدموا سامراء وعلموا بوفاته سألوا عن وارثه قيل لهم أخوه جعفر بن علي وكان قد خرج متنزها في دجله مع المغنين والغلمان فلما رجع دخلوا عليه وقالوا: يا سيدنا نجن من قم وجهاتها وكنا نحمل إلى سيدنا ابي محمد الاموال فخبرنا عن مقدارها ومن اين جمعت، فقال لهم جعفر: ‌كذبتم تقولون على أخي ما لا يفعله وهذا من علم الغيب الذي لا يعلمه غير الله، فلما سمع القوم كلامه جعل بعضهم ينظر إلى بعض، ثم قال لهم: ادفعوا المال، فقالوا: ‌انا قوم مستأجرون وانا لا نسلم المال الا بالعلامات التي كنا نعرفها من اخيك، فان كنت اماما فبرهن لنا والا رددنا الأموال لا صحابها، فقام جعفر ودخل على الخليفة واستعداده عليهم فامرهم بدفع الأموال إلى جعفر، فقالوا: انا قوم مستأجرون وقد امرنا ان لا ندفع المال الا بعلامة ودلاله كما جرت العادة مع أخيه وكان يصف لنا الدنانير وأصحابها ومقدارها، فان يكن هذا صاحب الأمر من بعده فليقم لنا ما كان يقيمه أخوه والا رددنا المال لا صحابه.

ثم انهم خرجوا من سامراء وفيما هم خارج البلدة واذا بشاب قد لحق بهم وقال: يا فلان ويا فلان أجيبوا مولاكم، فرجعوا ودخلوا على الإمام عليه السلام فاخبرهم بالمال ومقداره ومن أرسله فدفعوا إليه المال، ثم أوصاهم بان لا يحملوا إلى سامراء بعد ذلك شيئا وان يرسلوا الأموال والكتب إلى نوابه في بغداد، وأضاف الراوي إلى ذلك ان جعفر بن علي حمل إلى الخليفة مبلغا كبيرا من المال وطلب منه ان يجعل له منزله اخيه، فقال له: ان منزله أخيك لم تكن بنا وكنا نجهد في حط منزلته ويابي الله الا ان يزيده رفعه لما كان فيه من حسن السمت والعلم والعبادة فان كنت عند شيعته بمنزلته فلا حاجه بك إلينا وان لم تكن كذلك فلا نغني عنك شيئا.

وسواء صحت هذه المرويات ام لم تصح فمما لا شك فيه ان الحاكمين واجهزتهم قد بذلوا أقصى ما لديهم من جهد لإرجاع الشيعة إلى جعفر بن علي لأنه كان من أعوانهم ويجلس على موائدهم مع المغنين والمغنيات، وساعدتهم الظروف الغامضة التي كانت تحيط بالإمام المهدي عليه السلام واختفائه عن الناس على الدعوة لعمه جعفر بحجة انه الوريث الوحيد لأبيه وأخيه، في حين ان جعفر بن علي لم يكن يجهل وجود الإمام وحتى ان الحاكمين كانوا يعرفون ذلك، ولكن الله سبحانه كان لهم بالمرصاد فأحبط جميع مخططاتهم ورد الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا شيئا، ورجع إليه شيعه آبائه وظلوا على اتصال به خلال الغيبة الصغرى بواسطة سفرائه ووكلائه كما تؤكد ذلك عشرات المرويات.

ولجعفر بن علي الهادي ولدان احدهما يدعى محسن بن جعفر، قتله جماعة من الأعراب في بعض المقاطعات التابعة لدمشق، وادعى قاتله بأنه خرج على السلطان، فحمل رأسه إلى بغداد وصلب على الجسر فيها كما جاء في الكنى والألقاب للقمي.

والثاني يدعي عيسى وكان عالما فاضلا كما يصفه القمي وقد سمع الحديث منه هارون من موسى التلعكبري واستجازه فأجازه وله الأبيات التالية:

يا بني احمد أناديكم اليوم

ألف باب أعطيتم ثم أفضى

لكم الأمر كله واليكم

 

وانتم غدا لرد جوابي

كل باب منها إلى ألف باب

ولديكم يؤول فصل الخطاب

السفراء الأربعة في الغيبة الصغرى

لقد تحدث الرواة عن غيبه الإمام محمد بن الحسن العسكري عليه السلام وأسبابها ورووا عن الإمام الصادق وابي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام ان الله سبحانه قد اخفي ولادته وغيبه عن الناس لئلا يكون في عنقه بيعه إلى احد، ‌كما رووا عن أبي جعفر الباقر عليه السلام انه غاب خوفا من بني العباس، وجاء في رواية عبد الله بن الفضل الهاشمي: ‌ان الإمام الصادق عليه السلام قال في جواب من سأله عن الحكمة في غيبته: ان هذا الأمر لا ينكشف الا بعد ظهوره كما لم ينكشف وجه الحكمة فيما أتاه الخضر الا بعد ان افترق عن موسي، ومضي الإمام يقول كما جاء في الرواية: ان هذا امر من امر الله وسر من أسراره وغيب من غيبه ومتى علمنا انه حكيم صدقنا بان افعاله كلها لحكمة تقتضيها وان كان وجهها غير منكشف لنا، وفي رأيي ان الحديث عن أسباب غيبته من الغيبيات التي يعود امرها إلى الله وحده كما جاء في رواية عبد الله بن الفضل عن الإمام الصادق عليه السلام وما علينا الا التسليم والالتزام بما اقتضته مشيئته، والتشكيك في حياته وظهوره عند ما ياذن الله له بذلك على حد التشكيك بنبوه الأنبياء وإمامة آبائه الكرام.

ومنذ ان انتقلت الإمامة إليه بعد وفاه ابيه لم يكن من الميسور لاي كان من الناس ان يتصل به ويجتمع إليه خلال سبعين عاما تقريبا الا من خلال سفرائه الأربعة: عثمان بن سعيد العمري، ومحمد بن عثمان العمري، والحسين بن روح النوبختي، وعلي بن محمد السمري الذين كانوا حلقه الاتصال بينه وبين شيعته في مختلف الأقطار بواسطة الرسائل التي يحملونها إليه ويأخذون منه اجوبتها لأهلها، كما فوضهم بقبض الأخماس التي كانت تجبي إليه والتصرف بها حسبما تقتضيه المصلحة، وقد تولي له السفارة خلال السنين الأولى من امامته عثمان بن سعيد المعروف بالسمان، لانه كما يقول الرواة كان يتجر بالسمن ويتجول في تجارته في الأوساط الشيعية حتى لا يظهر امره للحاكمين، فإذا دفع إليه احد الشيعة مبلغا من المال وضعه في زقاق السمن وأخفاه عن الناس، وتولي السفارة لثلاثة من الأئمة عليهم السلام الهادي والحسن العسكري ومحمد بن الحسن القائم المنتظر.

وجاء في رواية احمد بن اسحاق بن سعد القمي انه قال: دخلت على ابي الحسن علي بن محمد عليهما السلام في يوم من الايام وقلت له: يا سيدي انا اغيب واشهد ولا يتهيأ لي الوصول إليك اذا شهدت في كل وقت فقول من نقبل وامر من نتمثل؟ فقال لي: هذا ابو عمرو الثقة الأمين ما قاله لكم فعني يقوله وما أداه لكم فعنى يؤديه، ومضى الراوي في حديثه يقول: فلما مضى ابو الحسن ضرت إلى ابنه ابي محمد الحسن العسكري ذات يوم فقلت له مثل قولي لأبيه من قبل، فقال لي: هذا ابو عمرو الثقة الأمين ثقة الماضي وثقتي في المحيا والممات فما قال لكم فعني يقوله وما أدى اليكم فعني يؤديه.

وفي رواية ثانية رواها الشيخ الطوسي في الغيبة عن جماعه من الشيعة منهم علي بن بلال واحمد بن هلال ومحمد بن معاوية بن حكيم والحسن بن ايوب بن نوح انهم قالوا: ‌اجتمعنا إلى ابي محمد الحسن بن علي عليهما السلام نسأله عن الحجة من بعده وفي مجلسه أربعون رجلا فقام إليه عثمان بن سعيد وقال له: يا ابن رسول الله اريد ان أسألك عن امر انت اعلم به مني، فقال له: ‌اجلس يا عثمان، فقام مغضبا ليخرج فامرنا الإمام بالجلوس إلى ان كان بعد ساعة صاح الإمام بعثمان بن سعيد فقام على قدميه، فقال الإمام عليه السلام: اخبركم بما جئتم له، قالوا: نعم يا ابن رسول الله، قال: جئتم تسألوني عن الحجة بعدي، قالوا: نعم، ثم خرج لنا غلام كأنه قمر أشبه الناس بابي محمد فقال: ‌هذا إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم أطيعوه ولا تتفرقوا فتهلكوا في أديانكم، الا وانكم لا ترونه من بعد يومكم هذا فاقبلوا من عثمان بن سعيد ما يقولوه وانتهوا لامره واقبلوا قوله فهو خليفة امامكم والامر إليه.

وجاء في رواية أخرى انه قال: وان ابنه محمدا وكيل ابني مهديكم وبقي ابو عمرو عثمان بن سعيد قائما باعباء سفارته للمهدي عليه السلام بعد وفاه ابيه مده من الزمن لم يحدد الرواة مقدارها إلى ان وافاه اجله فعهد من بعده إلى ولده ابي جعفر محمد بن عثمان العمري بأمر من الحجة محمد بن الحسن عليه السلام.

وجاء في رواية محمد بن ابراهيم بن مهزيار الاهوازي بعد وفاه ابي عمرو العمري انه خرج توقيع جاء فيه ان ابنه لم يزل ثقتنا رضي الله عنه وأرضاه ونضر وجهه يجري عندنا مجراه ويسد مسده وعن امرنا يأمر وبه يعمل تولاه الله فانته إلى قوله وعرف شيعتنا ذلك.

وقد عزاه الحجة بابيه حين وفاته وجاء في تعزيته له كما في رواية محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري: انا لله وانا إليه راجعون تسليما لأمره ورضا بقضائه عاش ابوك سعيدا ومات حميدا فرحمه الله والحقة بأوليائه ومواليه عليه السلام فلم يزل مجتهدا في امرهم ساعيا فيما يقربه إلى الله عز وجل واليهم نضر الله وجهه اقاله عثرته واجزل لك الثواب واحسن لك العزاء رزيت به ورزينا وأوحشك فراقه وأوحشنا فسره الله في منقلبه، لقد كان من كمال سعادته ان رزقه الله ولدا مثلك يخلفه من بعده ويقوم مقامه بامره ويترحم عليه، ان الأنفس طيبه بمكانك وما جعله الله عز وجل فيك وعندك اعانك الله وقواك وعضدك ووفقك وكان وليا وحافظا وراعيا وكافيا.

وكانت كتب المهدي عليه السلام تخرج على يده إلى الشيعة في امور دينهم وكل ما يهمهم بنفس الخط الذي كانت تخرج في حياه ابيه عثمان بن سعيد لا يعرف الشيعة واسطة بينهم وبين الإمام غيره، ويجد المتتبع في ابواب الفقه هنا وهناك بعض الآراء للمهدي عليه السلام كان يجيب فيها على أسئلة الشيعة بواسطة سفيره ابي جعفر العمري وغيره من السفراء ولعل اكثر ما يوجد منها كان بواسطته لانه كان اطولهم مده في هذه المهمة، حيث بقي فيها إلى سنه خمس وثلاثمائة كما تؤكد ذلك أكثر المرويات، ولعل سفارته للامام المهدي قد استمرت أربعين عاما اي من سنه خمس وستين بعد سفارة أبيه التي استمرت خمس سنوات لا غير.

وكان قبل وفاته قد حفر قبرا لنفسه ونقش عليه بعض الآيات من القرآن وأسماء الأئمة عليهم السلام وينزل إليه في كل يوم يقرا فيه جزءا من القرآن، وقبره يعرف في بغداد بقبر الخلاني.

وأوصى قبل وفاته إلى ابي القاسم الحسين بن روح بامر المهدي عليه السلام وكان يرشد الشيعة خلال الايام الأخيرة من حياته اليه، فقد حدث جعفر بن محمد المدائني عنه وكان على ما يبدو ممن يحملون الأخماس إلى الإمام عليه السلام ويدفعها إلى ابي جعفر العمري كما كان الحال بالنسبة إلى غيره من الجباه، وخلال الأيام الأخيرة جاءه كما تنص الرواية بأربعمائة دينار فأمره بدفعها إلى الحسين بن روح، وبعد حوار طويل بين الطرفين واخذ ورد بقي مصرا على عدم قبضها منه وقال له وهو مغضب: قم عافاك الله فقد أقمت الحسين بن روح مقامي ووليته منصبي ولما أيقن الراوي ان ذلك منه كان بأمر الإمام دفعها إليه.

وجاء في رواية الشيخ الطوسي انه لما اشتدت حال ابي جعفر رحمه الله اجتمع جماعه من وجوه الشيعة فدخلوا عليه وقالوا: ان حدث امر فمن يكون مكانك؟ فقال لهم: ‌هذا ابو القاسم الحسين بن روح بن ابي بحر النوبختي القائم مقامي والسفير بينكم وبين الإمام والوكيل الثقة الامين فارجعوا إليه في امور دينكم وعولوا عليه في مهماتكم فبذلك امرت وقد بلغت.

ويصفه الرواة بانه كان حكيما في تصرفاته معظما عند العامة والخاصة وبلغ من حسن تصرفه وحكمته ان العامة لم يصدقوا من كان ينسبه إلى الرفض، وحدث ان تنازع اثنان فقال احدهما ان ابابكر افضل الناس بعد رسول الله وبعده عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ويأتي علي بن ابي طالب من بعده، وقال الثاني: ان عليا افضل الخلق بعد رسول الله، واشتد النزاع بينهما في مجلسه وفيه حشود من السنه والشيعة فحسم النزاع بالأسلوب الحكيم الذي اعتاد عليه خوفا على نفسه وعلى الإمام عليه السلام من الحاكمين وقال: الذي أجمعت عليه الصحابة هو تقديم الصديق وبعده الفاروق وبعده عثمان، ثم على الوصي واصحاب الحديث على ذلك وهو الصحيح عندنا، فتعجب الحاضرون من قوله ورفعه العامة على رؤوسهم وطعنوا على من يرميه بالرفض. وبلغه ان بوابا على بابه قد لعن معاوية وشتمه فامر بطرده وصرفه من خدمته ولم يقبل شفاعة احد فيه.

وعاش الحسين بن روح قرابة عشرين عاما او تزيد بعد ان تولي السفارة بين الإمام المهدي عليه السلام وعشرات الملايين من الشيعة الذين كانوا يراجعونه في أمورهم ومشاكلهم وهو يتصل بالإمام ويرجع عليهم بأجوبة مسائلهم بخط الإمام وتوقيعه، وكانت وفاته سنه 326 في بغداد وقبره لا يزال معروفا ومقصودا للزائرين، وقبيل وفاته عهد إلى علي بن محمد السمري بأمر من الإمام عليه السلام فقام بالمهمة التي كان اسلافه يقومون بها، ولم تطل مدته في السفارة اكثر من ثلاث سنوات ختمت بها الغيبة الصغرى التي كان الاتصال فيها بالإمام المهدي ميسورا بواسطة سفرائه الأربعة.

ويدعي الرواة ان السمري قبل وفاته بايام اخرج إلى الناس توقيعا من الحجة جاء فيه: ‌يا علي بن محمد اعظم اجر اخوانك فيك انك ميت ما بينك

وبين ستة ايام فاجمع امرك ولا توص إلى احد يقوم مقامك بعد وفاتك فقد وقعت الغيبة التامة فلا ظهور الا بعد ان يأذن الله تعالي، وذلك بعد طول المدة وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جورا وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة فمن ادعاها فهو كذاب مغتر ولا حول ولا قوه الا بالله العلي العظيم.

وأضاف إلى ذلك الراوي انه بعد ستة ايام دخلنا عليه فوجدناه يجود بنفسه فقلنا له: من وصيك بعدك، ‌فقال: ‌لله امر هو بالغه، وكانت وفاته سنه 329 وللامام يوم ذاك من العمر اربع وسبعون عاما قضي منها مع ابيه اربع سنوات ونصف، وتسعه وستين عاما ونصف العام في غيبته الأولى المساه بالصغرى، ويدعي المسعودي في إثبات الوصية ان عمره الشريف كان بنهاية الغيبة الصغرى ستا وسبعين عاما واحد عشر شهرا، كانت في عهد المعتمد والمعتضد المقتدر والراضي، ومع ان خلافه هؤلاء الأربعة من بني العباس يصفها المؤرخون بالانحلال والتفكك ولا يملك الخليفة منها الا توقيع المراسيم والشكليات، فلقد كانوا يراقبون تحركات سفرائه ووكلائه المنتشرين في مختلف المناطق وحاولوا القبض عليه اكثر من مره كما يبدو ذلك من بعض المرويات التي تعرضت لموقف الحاكمين منه.

المدعون للسفارة عن الإمام المهدي عليه السلام

لقد ادعي الرواة ان جماعه من المشعوذين قد ادعوا السفارة للإمام عليه السلام وراحوا يحاولون تغرير الشيعة بما اظهروه من الدجل والشعوذة طمعا في الأموال التي كانت تجبي إلى الإمام بواسطة وكلائه وسفرائه الأربعة، وبدوافع أخرى لعل أصابع الحكام غير بريئة منها، وقد خرجت رسائل من الإمام عليه السلام بتحذير الشيعة منهم ولعنهم فلعنهم الشيعة وتبرؤوا منهم وما زالت اللعنات تنهال عليهم وعلى غيرهم ممن نصبوا العداء لاهل البيت وجحدوا فضلهم ودسوا في أحاديثهم وقالوا فيهم ما لم يقولوه في انفسهم ولم يراعوا وصيه رسول الله فيهم إلى يوم الدين.

ويبدو من المرويات التي تعرضت لهذا النوع من الادعياء ان المدعين للسفارة زورا وافتراء قد بدات طلائعهم تظهر في عهد السفير الثاني محمد بن عثمان العمري الذي استمرت سفارته اكثر من عشرين عاما، وادعاها في عهده الحسين ابو محمد الشريعي، ومحمد بن نصير النميري واحمد بن هلال الكرخي، وابو طاهر محمد بن بلال البلالي وابن اخي العمري محمد بن احمد بن عثمان المعروف بالبغدادي واسحاق الاحمر، وكان بعض هؤلاء على ما يبدو من بعض الروايات من المعروفين بالاستقامة في بدايه امرهم ورافقوا الامامين الهادي والعسكري ولكنهم انحرفوا بعد ذلك بما ذهبوا إليه من المقالات التي لا تتفق مع الإسلام فضلا عن التشيع، كما ادعاها في عهد السفير الثالث الحسين بن روح محمد بن علي الشلمفاني العزاقري، وقد جرفته الأهواء إلى غمرة الإلحاد والضلال، ويدعي بعض الرواة والمورخين ان الحسين بن منصور الحلاج احد اقطاب الصوفيين قد ادعاها ايضا، وكاد ان يستولي على عقول العامة بما اظهره من البدع والشعوذات، ولكن ابا سهل بن اسماعيل بن علي النوبختي قد أفحمه وكشف امره إلى الناس في مناظره جرت بينهما كما سنشير إلى ذلك عند ما نمر بالحديث عنه.

اما الشريعي احد الدعاة فقد كان من أصحاب الامامين ابي الحسن الهادي وابي محمد العسكري ثم انحرف بعد ذلك، وغالي بالإمامين فنسب إليهما ما لا يجوز على البشر، وادعى النيابة عنهما والرسالة لنفسه، فخرج توقيع الإمام المهدي بلعنه والبراءة منه فلعنه الشيعة وتبرؤوا منه.

واما النميري محمد بن نصير، فقد تعرضنا له خلال حديثنا عن الغلاة والمنحرفين في عهد الإمام العسكري عليه السلام وقد ظهرت دلائل الكفر والإلحاد على جميع تصرفاته ومقالاته، فكتب الإمام العسكري كتابا شديد اللهجة يندد به وبالحسن بن محمد بن بابا القمي، وكان كما ذكرنا سابقا يقول بالتناسخ وإباحة المحارم.

وجاء في رجال الكشي ان شخصا راي غلاما على ظهره فعاتبه على ذلك، فقال: ان ذلك من التواضع لله وترك التجبر وقد راجت مقالاته بين اناس عرفوا بعد ذلك بالنميرية، وبعد وفاه العسكري ادعي انه سفير الإمام المهدي والواسطة بينه وبين شيعته، وكان قبل ذلك يدعى النبوة وان علي الهادي عليه السلام أرسله إلى الناس، وحينما اعتل واشرف على الموت، قيل له: لمن الامر من بعدك؟ فقال بلسان ضعيف: بعدي احمد، فلم يعرفوا من هو، فافترق اصحابه من بعده كما جاء في غيبه الطوسي وفرق النوبختي ورجال الكشي.

ومنهم احمد بن هلال الكرخي وقد ادرك الإمام الرضا عليه السلام، وسبع سنوات من غيبه الإمام الصغرى وقد لعنه الامامان العسكري والمهدي عليه السلام وكتب المهدي إلى العراق يحذر الشيعة منه ويقول: احذروا الصوفي المتصنع لا غفر الله له ذنبه ولا اقال عثرته واني ابرا إلى الله منه وممن لا يبرا منه.

وتنص بعض المرويات على انه كان مستقيما في بدايه امره، وبدا عليه الانحراف بعد وفاه عثمان بن سعيد فأنكر سفارة ولده ابا جعفر وامتنع عن دفع ما عنده من الأموال إلى المهدي بالرغم من الأوامر التي صدرت إليه من الإمام عليه السلام كما نص على ذلك الطوسي في غيبته.

ومنهم محمد بن بلال، وكان من أصحاب العسكري عليه السلام وبعد وفاته ادعي بانه بابه ووكيله وانكر ما كان عنده من اموال الإمام عليه السلام وألح ابو جعفر العمري سفير الإمام عليه بدفع الأموال التي عنده للامام فلم يفلح، واخيرا قصده إلى داره وعنده جماعه من اصحابه فقال له: أنشدك بالله الم يامرك صاحب الزمان بحمل ما عندك من المال لي، فقال له: اللهم نعم، فنهض ابو جعفر العمري واصيب القوم بما يشبه الذهول، فلما انجلي عنهم قال له اخوه ابوالطيب: من اين رايت الإمام المهدي، فقال: ادخلني ابو جعفر العمري إلى بعض دوره فأشرت على المهدي من علو داره وامرني بحمل ما عندي من المال اليه.

ومنهم محمد بن احمد بن عثمان وهو ابن اخ العمري وكان معروفا بالانحراف عند ابي جعفر العمري وقد لعنه وتبرا منه وحذر منه اصحابه، وصادف ان جماعه من رواه الشيعة وخواصهم كانوا في مجلس العمري يتذاكرون في أحاديث الأئمة عليهم السلام واذا بمحمد بن احمد بن عثمان قد اقبل عليهم، فلما رآه عمه ابو جعفر مقبلا قال للجماعة: اسكتوا فان هذا الجائي عليهم، فلما رآه عمه ابو جعفر مقبلا قال للجماعة: ‌اسكتوا فان هذا الجائي ليس من اصحابكم، وكان مع ذلك من الخمسة يقول بمقاله ابي دلف محمد اين المظفر الكاتب، القائل بان الخمسة: ‌سلمان الفارسي واباذر الغفاري، والمقداد بن الاسود، وعمار بن ياسر، وعمرو بن اميه العمري، موكلون بمصالح العالم من قبل الرب.

ويبدو من بعض المؤلفين في الفرق ان الكرخيين واتباعهم من انصار هذه المقالة، وقد تتلمذ عليهم ابو دلف محمد بن المظفر، وعدهم المؤلفون في المذاهب من فرق الغلاة الذين انحرفوا عن الإسلام والتشيع في تلك الفترة من التاريخ.(2)

ومنهم محمد بن الشلمفاني المعروف بابي العزاقري، وكان صالحا مستقيم العقيدة جليلا عند الشيعة في المراحل الأولى من حياته وقد وكله الحسين بن روح بالقيام ببعض شؤونه عندما طارده المعتمد العباسي واستتر عنه وعن اجهزته فرجع إليه الشيعة في حوائجهم ومهماتهم كما جاء في غيبه الطوسي، وكانت تواقيع الإمام المهدي تخرج إليه بواسطة الحسين بن روح، وألف في حال استقامته كتبا منها كتاب التكليف، ولما انتهى منه تتبعه الحسين بن روح فوجد أكثره موافقا لمرويات الأئمة عليهم السلام ، وله أيضا كتاب التأديب، وقد أرسله ابن روح إلى علماء الشيعة ورواه احاديثهم في قم لينظروا فيه، فكتبوا إليه كما يدعي الراوي انه صحيح لا شيء فيه يخالف المذهب الا قوله الصاع في الفطره نصف صاع من طعام، وكان الحسين بن روح يراقب كتبه على ما يبدو مخافة ان يضع فيها ما يخالف مذهب الإمامية، مما يشير إلى انه مر في مرحله لم يكن يثق به، واخيرا ظهر انحرافه واعلن فكره الغلو وتناسخ الارواح وحلول الالوهيه فيه كما جاء في المجلد السادس من الكامل لابن الاثير.

وقال ابو علي بن همام احد أصحابه: سمعت محمد بن علي العزاقري الشلمفاني يقول: الحق واحد وإنما تختلف قمصه فيوم يكون في ابيض ويوم في احمر وآخر في ازرق.

 


 

 

 

الهوامش:


(1) انظر المجلد الاول من اصول الكافي والإكمال للصدوق والغيبة للطوسي وغيرها من مجاميع الحديث.

(2) انظر ص 256 من غيبته الطوسي وفرق النوبختي.