الفهرس
لتصفح الصحيفة ب Flsh

لتحميل الصحيفة ك Pdf

الصفحة الرئيسية » العدد: ٦٧/محرم الحرام/ ١٤٣٦هـ » عقيدة المخلّص في التراث الإنساني/ الحلقة الخامسة
العدد: ٦٧/محرم الحرام/ ١٤٣٦ه

المقالات عقيدة المخلّص في التراث الإنساني/ الحلقة الخامسة

القسم القسم: العدد: ٦٧/محرم الحرام/ ١٤٣٦هـ الشخص الكاتب: الاسعد بن علي قيدارة التاريخ التاريخ: ٢٠١٤/١٠/٢٨ المشاهدات المشاهدات: ١٣٨٧ التعليقات التعليقات: ٠

عقيدة المخلّص في التراث الإنساني/ الحلقة الخامسة

الاسعد بن علي قيدارة

بيّنا في الحلقة السابقة بعض استقراء للتاريخ الديني والثقافي للإنسانية فيما يخص موضوع المخلّص ومبدأ
الخلاص، وسنستعرض هنا بعض ما جاء من هذه الفكرة في جانب آخر من جوانب التراث الإنساني الديني.
المخلّص في الفكر الفلسفي:
نظر بعض الفلاسفة للحياة نظرة سوداوية قاتمة فوصموها بالشقاء والعنت، بل اعتبرها بعضهم عبثاً زائداً، ورحلة جبرنا عليها دون إرادة مسبقة ولا غاية واضحة، وبلغ الأمر عند بعضهم أنْ دعوا للانتحار، واعتبروه سبيلاً للخلاص من هذه المتاهة التي وقعنا فيها دون جدوى.
هذا الشذوذ الفكري لم يمنع من ظهور فلاسفة متفائلين عبر التاريخ آمنوا بإمكان قيام مجتمع سعيد يسوده العدل وتحكمه نظم تقود الإنسان إلى فردوس أرضي، وأنّ الشرور والمآسي التي تئنّ تحت وطأتها الأرض يمكن تجاوزها بتأسيس نظام مؤنسن، يسود، ويضع حداً للفقر والجوع، ويحقّق طموح الناس إلى العدل والحرية والسعادة.
ولم يَخْلُ عصر من العصور التاريخية من فيلسوف ينادي بتعدّي الحلول الوسطى، والاكتفاء بالمعالجة الجزئية السطحية، ويطالب بتأسيس المجتمع والحياة المثالية للناس كما يحلم بها الحكماء، وهي ما يطلق عليه _اليوتوبيا-.
وينسب إلى توماس مور (١٤٧٨-١٥٣٥) نحت كلمة يوتوبيا، وقد اشتقّها من اللفظين اليونانيين OW بمعنى لا وTOPO-: مكان ويعني -لا مكان- أو -ليس في مكان-، ووضع الكلمة عنواناً لكتاب له، وهو أشهر يوتوبيا في العصر الحديث.
ومن ذلك الحين استعملت العبارة في اللغات الأوروبية، وكذلك في العربية، ويقصد بها: -نموذجاً لمجتمع خيالي مثالي يتحقّق فيه الكمال أو يقترب منه ،ويتحرّر من كلّ الشرور التي تعاني منها البشرية، ولا يوجد مجتمع كهذا في بقعة محدّدة من بقاع الأرض؛ بل هي في أماكن وجزر متخيّلة في ذهن الكاتب نفسه، وخياله قبل كلّ شيء، وأصبح للكلمة فيما بعد معانٍ كثيرة غير التي استخدمها مور، فصارت تطلق على أصل سياسي أو أية تصوّرات خيالية مستقبلية أو احتمالات علمية فيه ... تنشد انسجام الإنسان مع نفسه ومع مجتمعه-، وهكذا تصبح اليوتوبيا حلم الجنس البشري بالسعادة، واشتياقه الخفي للعصر الذهبي أو لجنّته المفقودة كما تصوّر البعض.
واليوتوبيات التي جادت بها قريحة الفلاسفة وتأمّلاتهم عديدة جدّاً، بشّروا فيها بالمخلّص والخلاص على طريقتهم الخاصّة، وكان أشهرها على الإطلاق -جمهورية أفلاطون-، و-المدينة الفاضلة- للفارابي، و-مدينة الله- للقديس أوغسطين، و-المدينة الخيالية- لتوماس مور، و-مدينة الشمس- لدومنيك كامبانيلا الإيطالي، و-أطلنطا الجديدة- لفرنسيس بيكون، حيث يمارس العلماء سلطتهم حتّى على الملك... ويمتدّ هذا التفكير الفلسفي ليتصل بطوبائيات اشتراكية، وأخرى علمية، وثالثة تستند إلى الحرية الفردية أكثر، وتترك مجالاً للصراع والخلافات كما هو حال ولز (١٨٤٤-١٩٤٤) في يوتوبيا حديثة وبَشَرْ كالآلهة.
ولكن تبقى (الجمهورية) لأفلاطون، والمدينة الفاضلة للفارابي، أفضل نموذجين نتوقّف عندهما:
جمهورية أفلاطون:
ولد أفلاطون سنة/٤٢٧/ق.م وعاش ثمانين سنة، وكان مولده في جزيرة قرب أثينا،آمن بأنّ صلاح الدولة في اقتران الفلسفة بالسياسة، واتّصاف الحاكم بالحكمة، وقد يكون للأحوال السياسية المتعكّرة دَوْرٌ في نضج كثير من آرائه الاجتماعية والسياسية، وينقل عنه قوله: -لن يخلص الجنس البشري من متاعبه إلاّ بأنْ يستولي المشتغلون اشتغالاً حقيقياً بالفلسفة على السلطان السياسي، أو بأنّ يكون أصحاب السلطان في المدن فلاسفة حقيقيين-.
ويرى أفلاطون أنّ الفرد للدولة، وأنّ الغاية هي الفضيلة والعدالة وتحقيق العلم والفلسفة، ومن أجل ذلك لابدّ أنْ يسلم الفرد منذ ولادته إلى الدولة، وهي التي تتكفّل بالأفراد، بتربيتهم وإعدادهم، ومن ثمّ توزيعهم حسب مؤهّلاتهم على عدّة اختصاصات، فمن يصلح للجيش يربّى تربية عسكرية، ومن يصلح للإدارة يربّى تربية فلسفية... وغالى في ضرورة اختيار النسل، حتّى أنّه نادى بوجوب منع من كان فاسداً من الآباء من التناسل، والقضاء على كلّ الأطفال غير الصالحين.
ويبدأ تعليم الفلسفة عنده من سنّ الثلاثين، ويستمرّ إلى حوالي الخمسين، ويحقّ للمرء عندئذٍ أنْ يكون حاكماً، ولابدّ أنْ تطهّر المدينة من كلّ نزعة أو فكرة مخالفة للفضيلة.
ولابدّ أن نشير إلى أنّ أفلاطون كان يعتقد بإمكان تحقّق هذه الدولة، لكنّ رحلاته إلى صقلية جعلته يرجع فاتر الأمل -ومن هنا عدل من شروطه في السياسة حتّى يجعل الدين هو الأساس في كلّ مؤسّسات الدولة-، وعلى الرغم من ذلك تبقى محاولة الجمهورية مصدراً فلسفياً هاماً.
مدينة الفارابي:
هو أبو النصر محمّد بن محمّد طرخان، المعروف بالفارابي، نسبة إلى (فاراب) من بلاد الترك، ولد سنة/٢٥٧هـ/٨٧٠م وتوفّي سنة/٣٢٩هـ/٩٥٠م، اشتهر بالمعلّم الثاني؛ لأنّه أوّل من شرح منطق أرسطو في العالم الإسلامي، والمدينة الفاضلة تسمية أطلقها الفارابي على المثل الأعلى للحكم، ويريد بها المدينة التي تحقّق السعادة القصوى في الدارين لأبنائها، ويعتقد أنّ _المدينة الفاضلة تشبه البدن التام الصحيح الذي تتعاون أعضاؤه كلّها على تتميم حياة الإنسان وعلى حفظها عليه_، وهذه السعادة القصوى التي تمثّل هذه المدينة لا تتحقّق إلاّ بالعلم والعمل.
ويقول عن صفات رئيس المدينة الفاضلة: -إنّ رئيس المدينة الفاضلة ليس يمكن أنْ يكون أي إنسان اتفق؛ لأنّ الرئاسة إنّما تكون بشيئين: أحدهما أنْ يكون بالفطرة والطبع معداً لها، والثاني بالهيئة والمَلَكة الإرادية-.
ولرئيس المدينة عنده خصال -فيجب أنْ يكون تام الأعضاء، جيّد الفهم والتصوّر، جيّد الحفظ والفطنة، حسن العبارة، محبّاً للقيم، غير شره في المأكول والمشروب، متجنّباً للّعب، مبغضاً للذات، محبّاً للصدق وأهله، مبغضاً للكذب وأهله، كبير النفس، محبّاً للكرامة، محبّاً للعدل، مبغضاً للجور والظلم وأهلهما، سلس القيادة إذا دُعي إلى العدل، قوي القريحة، صبوراً لا يخاف-.
ويعدّد الفارابي مدناً أخرى تضادّ المدينة الفاضلة، وهي المدينة الجاهلة، والمدينة الفاسقة المتبدّلة، والمدينة الضّالة.
ولم تغبْ فكرة المخلّص عن الفلاسفة المتأخرين، حيث صرّح العديد من فلاسفة العصر بأنّ العالم بانتظار المصلح، من بينهم الفيلسوف الإنجليزي (برتراند رسل) الذي نسب إليه القول: -إنّ العالم في انتظار مصلح يوحّد العالم تحت علم واحد وشعار واحد-، وكذلك العالم الكبير (أنشتاين) صاحب نظرية النسبية، الذي نسب إليه القول: -إنّ اليوم الذي يسود العالم كلّه الصلح والصفاء ويكون الناس متحابّين متآخين ليس ببعيد-.
ولوّح (برناردشو) بمجيء المصلح العالمي في كتابه -الإنسان والسوبرمان-.
وعمّق هذه الفكرة _فكرة السوبرمان_ فيلسوف القوة (فريدريك نيتشه) في أواخر القرن التاسع، واعتبر أنّ -الغاية من الإنسانية هي خلق هذا الإنسان الأعلى -سوبرمان--، وذلك لأنّ الإنسان عامة لا قيمة له في ذاته، وإنّما قيمته وسيلة إلى خلق هذا النوع الممتاز، ومن أجل تحقيق هذه الغايات ينادي نيتشه بضرورة تحطيم الأصنام التي استعبدت الإنسانية، أصنام الأخلاق، وأصنام السياسة، وأصنام الفلسفة، فالخير كلّ الخير في الإنسان الأعلى، والخلاص كلّ الخلاص في القوة -لأنّ الخير كلّ ما يعلو في الإنسان بشعور القوة وإرادة القوة والقوة نفسها، والشرّ كلّ ما يصدر عن الضعف، والسعادة هي الشعور.

التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
التعليقات
لا توجد تعليقات

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
التحقق اليدوي: * إعادة التحميل
 
شبكة المحسن عليه السلام لخدمات التصميم

ما ينشر في صحيفة صدى المهدي عليه السلام لا يعبر بالضرورة عن رأي الصحيفة بل هي آثار الكتّاب والأدباء